ما زلنا في بداية السنة المالية الجديدة، وكل وزير عرف نصيب وزارته من الميزانية، ومن خلال تعليق الوزراء على الميزانية بدوا راضين تماماً، ولم يتحفّظ أحد منهم ولو بشكل موارب على الرقم المخصص لوزارته، بل على العكس كانت تصريحاتهم وملامحهم أيضاً «مسفهلة، وطلق حْجاج» وتفاؤل، ولهذا تمنيت أن يتهور -وسأوضح لاحقاً لماذا استخدمت هذه المفردة تحديداً- ويظهر للمواطنين ويشرح خطة وزارته، ويقول للجميع هذه خطتي وأرجو منكم جميعاً أن تساعدوني على إنجازها، ثم يغلق الميكرفون، ويبتسم لآخر فلاش بعد أن وعد الجميع أن اللقاء القادم سيكون بعد عام من يومه هذا.
فمثلاً لو حدد معضلة واحدة من أصل عشر مشاكل يتفق المواطنون معه على أنها على قائمة الأولويات (المشكلاتية)، فأثق وأراهن على أن المواطن سيقبل بهذا الرهان حتى لو كان دون الأمنيات ودون الطموح، فالمواطن بلغ به السيل الزبى من الطريقة التقليدية في التعامل مع المشكلات ومحاولة حلّها كلها في نفس الوقت، والنتيجة أننا نزيد من حجم المشكلة، فبعد أن كانت مجرّد مشكلة أصبحت بعد محاولة حلّها مشكلة مشوّهة (حلّها عاد!)، وتظل كذلك حتى تنتهى فترة الوزير وبقيت المشاكل بشكلها المشّوه، لدرجة أن الوزير الجديد لا يرى المشكلة بحجمها الطبيعي، فسلفه غطّاها بجبيرة ضخمة في محاولة لعلاجها، وفي كل مرة يحاول علاجها بنفس الطريقة، حتى تختفي وتكون مجرد «حشوة» تغطيها القرارات والتوجيهات والاقتراحات وسواليف اللجان الرديئة.
ولهذا يبدأ الوزير الخلف بتفكيكها من جديد ليتعرف عليها من قرب في نفس الوقت الذي يشتغل فيه بتفكيك (أغلفة) المشاكل الأخرى، وعندما يراها بطبيعتها يعتقد أنها سهلة فكل ما تحتاجه مجرد (جبيرة) على يدها اليمنى، وبالفعل فترة وجيزة تكون الجبيرة أدت دورها بشكل جيد، لكن (المشكلة) لا تستطيع المشي بشكل جيد، ولهذا لا بد من مشروع لتنفيذ جبيرة أخرى على الأرجل، ومن ثم يكتشف أحد الخبراء أن هنالك مشكلة بالعمود الفقري!، والحل أيضاً جبيرة لكامل الجسم، وتنتهي الفترة الوزارية، ويعود خَلف الخَلف لذات الطريقة وذات المستشارين وذات الخبراء!
قلتُ في عنوان المقال (تهوّر) ثم تكلمت عن موضوع (طبيعي) جداً، وهو أن يُقدم الوزير برنامجا لأفكاره التي سينفذها خلال العام القادم، والخطورة في هذه الخطوة أن المواطن والإعلام سيصمت فعلاً لعام كامل ويتركك تعمل، وفي نهاية العام سيحاسبك، ووقتها لا عذر سينفع، فأنت باعترافك في البداية هُيئ لك جميع ما تريد، ولن يكون من المنطقي أن تعتذر مثلاً بأنك واجهت مشاكل، فأنت لم تأتِ أصلاً إلا لوضع حلول للمشاكل، وقتها سيكون الخيار أن تُقدم استقالتك وتعترف بفشلك، وهذا من خوارم البيروقراطية العربية، وسنبقى «نصرف» على المشكلة وكأننا عائلها الوحيد!
ماذا لو "تهوّر" الوزير؟!
فهيد العديم2 دقائق للقراءة

حجم الخط
