كثيراً ما نقرأ في كتب علماء السلف ذمهم للجدال في الدين حتى لا يتسرب لقلب المؤمن شيء من شبهات المخالفين وتلبيساتهم حسب رأيهم. وهذا الكلام ليس بصائب على إطلاقه، وإنما هو بحاجة إلى شيء من التفصيل والتأصيل
فالمناظرة والمجادلة في الدين قد تكون محمودة مطلوبة أحياناً، وقد تكون مذمومة مرفوضة أحياناً أخرى. نعم إن المجادلة في الدين قد تكون محمودة إذا ما خَلصت النّيات، ورُوعيت قواعد البحث والمناظرة، وكان المجادل على علم راسخ ومعرفة تامة بما يجادل حوله، فلولا الحوار والجدال ما عُرف خطأ من صواب، ولا حق من باطل، ولا سنّة من بدعة، ولا طيّب من خبيث. إن الله عزّ وجلّ أرشد في كتابه إلى مشروعية مجادلة المخالفين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَجَادِلهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وكذلك ثبت في السنّة النبوية مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاورته لكثير من الوثنيين واليهود والنصارى في وقائع كثيرة. وإذا صحَّ هذا مع الكافرين والمشركين؛ فمع غيرهم من طوائف المسلمين يكون الأمر أَولى وأَحرى. نعم إذا كان المجادِل قليل العلم والمعرفة أو كان ضعيف الإدراك فمثل هذا الأولى به بل الواجب عليه ترك المجادلة في الدين، لأنه لا يملك أدواتها، وكذلك إذا كان الغالب على المجادلة: خشونة الكلام وإلقاء التهم، أو كان المقصود هو مجرد إظهار العلم والتفوق والاستعلاء والغلبة، وإفحام الخصوم على أي وجه كان؛ في كل هذه الأحوال تكون المجادلة في الدين مذمومة بغير شك. وعلى هذا التفصيل والتأصيل يجب حمل ما جاء عن العلماء من ذم المجادلة في الدين. لقد كان العلماء قديماً وحديثاً يحاور بعضهم بعضاً، ويجادل بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض، وقد ألفوا في ذلك عشرات الكتب مما لا يمكن عده أو إحصاؤه. حاول أن تستمع للآخرين المخالفين وتتحاور معهم، فقد يكونون على صواب، لكن عليك أولاً أن تتحلى بالعلم الراسخ والمعرفة التامة، وتتأدب بآداب الإنصاف، وإخلاص النية لله عز وجل، فهي مفتاح كل خير.