«مضايا» البلدة السورية الواقعة قرب الحدود اللبنانية، عنوان مأساة إنسانية وجريمة وحشية في آن واحد، فصور الأجساد الجائعة ومقاطع الفيديو لأهلها وقد استحالوا إلى هياكل عظمية لا تقوى على الوقوف والحركة، أحدثت صدمة ألم إنساني في العالم كله، وكانت في الأسبوعين الأخيرين ترافق التقارير والأخبار في صدارة أبرز الصحف والقنوات الإخبارية العالمية، إضافة إلى تداولها عبر وسائط التواصل الاجتماعي. ولم يكن لها أن تحدث من الصدمة ما أحدثته وأن تستدعي من التفاعل ما استدعته لو لم تكن المجاعة فيها تجويعا قسريا مفروضا من قوات النظام وميليشيات حزب الله المؤيدة لبطشه، لأسباب طائفية؛ فالمعارضة التي يحاربها النظام وحزب الله تحكم سيطرتها على مضايا «السُنية»، وهي نفسها من يحكم السيطرة على بلدتي الفوعة وكفريا «الشيعيتين»، لكن الأخيرتين تتلقيان الإمدادات الغذائية بواسطة طائرات النظام!
عنوان المأساة الإنسانية والجريمة الوحشية الذي تسطره مضايا عنوان بليغ وكاشف، وتلك الصور المأساوية لأطفال مضايا وأشياخها ناطقة بأفصح مقال وأبين عبارة: كيف لنظام يفرق بين مواطنيه طائفيا أن يدعي شرعية في حكمهم؟ وكيف لحزب يتمدح بالمقاومة للظلم ويدلل باسمه على صفة دينية أن يقترف هذا التوحش المزري؟ هكذا تقيم مضايا الحجة على الطائفية، وتبرهن على اتصاف النظام وأعوانه بها، وهو الذي دأب على وصف معارضيه منذ اشتعلت الثورة عليه بالطائفيين، ولم يفتأ يصف الثورة بالفتنة الطائفية. وهي بالفعل لم تخل من إثارة تلك الفتنة، لكنها إثارة تكشف عن حقيقة النظام وتعريه، فلو لم يكن طائفيا لما استحالت الثورة عليه إلى هذا التطرف الطائفي.
وأرى أن علينا أن نقرن ـ دوما- بين الديكتاتورية وبين الطائفية ومشتقاتها العنصرية الأخرى؛ فكل ديكتاتور هو طائفي إلى العظم، وعنصري إلى النخاع. والديكتاتورية ليست علاقة فردية بالاستبداد والتسلط، بل لا بد أن تجسد فرديتها هذه دلالة عنصر اجتماعي أو طائفي معين، وأن تستند إليه، مانحة إياه ومتبادلة معه الامتياز بعناوين دينية أو وطنية أو قومية أو طبقية أو إيديولوجية... إلخ. ومن دون هذه العلاقة التمييزية ضد آخر لا يتكون الديكتاتور ولا يستطيع البقاء. كما علينا أن نقرن بين الطائفية ومشتقاتها وبين التوحش الإجرامي الذي يفوق كل توحش، فمن يقترف وحشية لا يرى في الضحية تساويا معه، أو حقا في التساوي.
أن تكون طائفيا أو عنصريا بأي معنى، فأنت أكثر توحشا وتجردا من الإنسانية، وليس أقسى ولا أشرس ولا أوغل في الوحشية ممن تعود وحشيتهم إلى طائفيتهم وعنصريتهم ضد ضحاياهم، ليس لأنهم – فحسب- لا يرون في غيرهم من الطوائف كينونة تستحق الوجود، أو صفة بشرية تساويهم في الخلق، بل لأنهم ـ أيضا- يضفون بادعاءات عقائدية ومذهبية على وحشيتهم قداسة، ويمنحونها صفة تعبدية وتطهرية بهذا المعنى أو ذاك. وهكذا ليس لك أن تسائل في الطائفي فرديته وضميره وعقلانيته وإنسانيته ووطنيته... إلخ، لأنه لا يملك شيئا من ذلك، ولن يكون الطائفي أو العنصري كذلك إذا امتلك شيئا من ذلك.
لكن الطائفية لا تعني الانتماء إلى طائفة أو مذهب أو دين، وإلا لكان كل إنسان طائفيا بالضرورة. وحين تشتعل الفتنة الطائفية لا يرى الطائفي نفسه طائفيا، بل يرى الطائفية في غيره وردا عليه، ولذلك نجد في منطقتنا العربية الآن من يعمم الصفة الطائفية على شعوب ومذاهب بأسرها، ولقد جاء بيان المثقفين اللبنانيين من «الطائفة الشيعية» في إدانة تجويع مضايا، بعنوان «إعلان مضايا» ليدحض التعميم الذي يريد الطائفيون إضفاءه على عموم الشيعة بذريعة ما فعله النظام السوري وحزب الله وبمعونة إيران.

[email protected]