ما أروع تلك الأشياء التي تبدأ من فكرة صغيرة، ثم تثبت نفعها وتأثيرها حين تراها منتشرة في كل مكان ويستفيد منها ملايين البشر. وهذا ما حصل في فكرة عروض تيد TED التي بدأت في عام 1984 في مونتري، كاليفورنيا كتجمع مغلق. ثم في عام 2000، قام رائد الإعلام كريس أندرسون بعرض رؤية جديدة للملتقى من خلال منظمته اللاربحية لمنصة عالمية متخصصة يلقي عليها مجموعة من أصحاب الفكر والتجارب والإنجازات أفكارهم وأطروحاتهم التي يُرتأى أنها تستحق النشر ليستفيد منها كل العالم.
وتحققت رؤية كريس، بل وتجاوزت التوقعات، وانتشر شغف نشر المعرفة ومشاركة الأفكار ليطال العالم كله من أقصاه إلى أدناه. وأصبح لكل مدينة TED الخاص بها، مع إضافة حرف X وبعده اسم المدينة أو المنشأة. فتجد الآن تيدكس رام الله، وتيدكس الخرطوم وصنعاء، وحتى تيدكس الرياض والشرقية. وآخرها كان تيدكس جدة الذي تمحور حول سؤال (ماذا لو؟) كخلفية للمواضيع التي تنوعت ما بين مهارات التفكير، والتحديات، والمتعة. تكمن روعة هذه المنصة في أنها سمحت لنا برؤية ثقافات وفكر الشعوب بمنأى عن قنواتهم الرسمية وظروفهم السياسية أو الانطباعات المعممة، بل من خلال أطروحاتهم وأفكارهم كمجتمع وأفراد يعكسون الواقع الحقيقي.
شخصيا بدأت في متابعة سلسلة فيديوهات تيد منذ حوالي ست سنوات وأدمنت تنوع التجارب الإنسانية، وغرابة المواضيع والأفكار التي أثرتني فكريا وفتحت لي الكثير من الآفاق، حتى إنني قمت بتلخيص بعضها هنا في زاوية دبس الرمان، فلمشاركة الأفكار من مجالات وخلفيات وثقافات مختلفة ومتنوعة أثر فعال في تطور فكر الشخص، وبالتالي تأثيره في مجتمعه وبلده، وبالتالي على العالم. وذلك دفعني للتساؤل: ترى ماذا كان سيكون مصير TED لو أن شخصا مثل كريس براون لم يظهر ويقنع المؤسسين بتحويلها لمنصة عالمية؟ ترى ماذا كان سيكون مصير كل هذه المعرفة التي انتشرت، وكل هذه الأفكار التي غيرت حياة الكثيرين؟ ربما كنا لن ندرك الفرق، ولكنني أؤمن أننا كنا سنخسر كثيرا.
الحقيقة هي أن العالم يتغير ويتطور بسبب مجموعة من الأشخاص المبادرين، الجسورين، الذين يمتلكون الشجاعة لعرض أفكارهم، والثقة والعزيمة لتحقيق رؤاهم. إنهم أولئك الذين يكتشفون الفائدة ويشعرون بالشغف في مشاركتها. أولئك الذين يؤمنون بالوفرة، ويسعون بكل جهدهم لنشرها حتى وإن كان المقابل غير محسوس أو غير مُجد. فشكرا جزيلا صادقا لأولئك الذين يتطوعون بترجمة فيديوهات تيد لإثراء المحتوى العربي. وامتنان حار وتقدير لأولئك الذين يقومون بجلب هذه البرامج ويسعون جاهدين لإقامتها. والأهم.. شكرا لكل من يبحث ويهتم ويحضر ويتفاعل ويشارك، فهم أسباب الديمومة، وهم دافعية المزيد.