قامت حكومتنا الرشيدة بتطبيق حد الحرابة وهو من حدود الله في سبعة وأربعين إرهابيا، خمسة وأربعون منهم من مواطنيها، في أمر يفترض أن يكون داخليا، لكن إيران وبدورها العبثي الاستفزازي جعلت ذلك وكأنه شأن من شؤونها، فقامت بالتظاهر والتجمهر أمام السفارة السعودية، ومن ثم اقتحامها وتخريبها وإضرام النار بها وبمحتوياتها، والمشهد ذاته تكرر في القنصلية السعودية في مدينة مشهد، ضاربة بكل الأعراف الدولية عرض الحائط.
وقد قامت حكومة سلمان الحزم بقطع العلاقات معها وتبعها عدد من الدول الإسلامية والعربية، لأنها أدركت أن مثل هذه الدولة لا ينفع معها اللين والحكمة بل التعامل بالمثل والضرب بأيد من حديد لقطع دابر العابثين والمستهترين، ولوضع حد للاستهزاء بالدين واللعب على وتر الحزن العاطفي والتقيّة (الكذب والنفاق).
ولست بصدد التوغل في مثل هذا القرار الحكيم، فهو صائب من جميع النواحي؛ فالجار المؤذي ليس من الحكمة التغاضي عن سلسلة التخريب والتدمير في جيرانه، وليس من المعقول أو المقبول انتظار دوره في بلادنا ونحن نرى عيانا ما يفعله بدول مجاورة، فقطع الطريق عليه أولى، وعلى طريقة السعيد من وُعظ بغيره، والتاريخ يشهد على العداوة المتأصلة في الجانب الإيراني، والتدخلات السافرة في دول الجوار، وهو ما أدى إلى تدميرها وبث الفوضى والتخريب فيها.
وبعد أن طويت هذه الصفحة من التاريخ، أتى بعد ذلك الالتفات إلى الجانب الاقتصادي، والذي أكد قائد هذه البلاد رعاه الله على أن المواطن محور اهتمام هذه الحكومة، ولنطالع حديث سمو ولي ولي العهد لصحيفة الإيكونوميست (وهي مجلة أسبوعية ناطقة بالانجليزية تهتم بنشر الأخبار والشؤون الدولية، تحرر في لندن منذ سبتمبر 1843) أنه سيشهد ثورة نوعية في البحث عن موارد مالية بعيدة عن النفط وتقلبات أسعاره، ومـن أبرز عناوين تلك الرؤية الثاقبة أكد سموه أنها ستجلب لخزينة الدولة خلال السنوات القادمة 400 مليار ريال وستركز على الصناعة المتقدمة، وخَـصخصة بعض قطاعات ومؤسسات الدولة كالتعليم والصحة وغيرها من الوزارات الخدمية، كما أشار إلى تحويل بعض الأرصدة المجمّـدة إلى استثمارية، وإجراء إصلاحات كبيرة على الـدعم والإنفاق الحكومي، والإفادة من فُـرص تعدين اليورانيوم الذي تمتلك بلادنا 6% من احتياطي العالم، وأنه سيكون هناك استثمار للأراضي المملوكة للدولة في مختلف المناطق، كَأرض القوة الجوية في وسط جدة وتزيد مساحتها عن 5 ملايين متر، بقيمة 10 مليارات ريال، وكذا أرض مكة المكرمة التي تبلغ مساحتها أكثر من 4 ملايين متر، بقيمة تصل لعشرات المليارات، وأشار أيضاً إلى التوسع في السياحة سواء كانت دينية في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو بيئية تستثمر ما تحتضنه بلادنا من ثروات مهدرة في هذا المجال كمجموعة الـجُزر الواقعة بين (أملج، ووج)، وغيرها من المناطق والأماكن التي تشكل منارات سياحية هامة.
وكان من أهم ما في تلك البرامج الاستثمار في المواطن السعودي، والقضاء على الفساد والبطالة.
والقضاء على الفساد والهدر المالي أمر بات ملحا في المرحلة المقبلة، ونحن نقرأ أرقاما ونسمع عن مبالغ فلكية لمشاريع وأمور هي في واقع الأمر أقرب للخيال منها إلى الحقيقة، فلا يمكن للعقل البشري استيعابها البتة.
وقد أبدى سموه توجها لإحلال ملايين الوظائف التي يقوم بها غير السعوديين، ليشغلها المواطنون، في محاولة جادة للقضاء على البطالة التي تشكل هاجسا لدى معظم الأسر.
وقد سبق لكاتب هذه السطور المطالبة بالتخلي عن بعض الإدارات وطرحها للاستثمار لتكون رافدا اقتصاديا مهما، ولو أخذنا تجربة الاتصالات والبريد فإننا سندرك أن وزارة البرق والبريد والهاتف كانت تشكل عبئا ثقيلا على الدولة، وها هي الآن تشكل موردا ماليا وتقدم خدمات راقية وبشكل يفوق ما كان سابقا ربما بعشرات المرات.
والحال ذاته ينطبق على التعليم، فالطالب يكلّف قرابة ستين ألف ريال، بينما هو في المدارس الأهلية لا يكلّف ثلث هذا المبلغ على أقصى تقدير، وقس على ذلك الخدمات الصحية، فالعاملون في الشركات يتم التأمين الصحي عليهم وبمبالغ ربما لا تصل إلى ربع ما يكلف ميزانية وزارة الصحة.
إن تخصيص مثل هذه الخدمات وإيكالها للشركات سوف يريح كاهل الدولة من الأعباء من جهة، وسيجد المواطن خدمات أكثر جودة ربما تصل في يوم ما إلى درجة الرفاهية، وهو ما تسعى له حكومتنا الرشيدة، وفقها الله، وإن غدا لناظره قريب.