تأريخ المطاوعة يضيع

(الصحوة) كانت ولا زالت مكونا رئيسا في المجتمع السعودي، تفاعلت مع قضاياه وكانت موجها فكريا حاضرا خلال العقود الثلاثة الماضية. تختلف مع الصحوة أو تتفق ليس هذا أبدا محور الحديث هنا. لأننا سنتجاوز الخصام الثقافي بين التيارات، لنتحدث عن تأريخ المرحلة بتفاصيلها. الصحوة برغم حضورها الطاغي على الساحة الثقافية لم تهتم بفكرة توثيق اللحظة كثيرا، وهذه مشكلة عميقة داخل تيار من أدبياته (الاحتساب) و(نسأل الله الإخلاص)، ولم يدرك بعد أهمية تدوين هذه الفترة بجميع أبعادها، وتحديدا السلاح النووي الذي استخدمته الصحوة في كل معاركها الثقافية: شريط الكاسيت!

(الصحوة) كانت ولا زالت مكونا رئيسا في المجتمع السعودي، تفاعلت مع قضاياه وكانت موجها فكريا حاضرا خلال العقود الثلاثة الماضية. تختلف مع الصحوة أو تتفق ليس هذا أبدا محور الحديث هنا. لأننا سنتجاوز الخصام الثقافي بين التيارات، لنتحدث عن تأريخ المرحلة بتفاصيلها. الصحوة برغم حضورها الطاغي على الساحة الثقافية لم تهتم بفكرة توثيق اللحظة كثيرا، وهذه مشكلة عميقة داخل تيار من أدبياته (الاحتساب) و(نسأل الله الإخلاص)، ولم يدرك بعد أهمية تدوين هذه الفترة بجميع أبعادها، وتحديدا السلاح النووي الذي استخدمته الصحوة في كل معاركها الثقافية: شريط الكاسيت!

الاثنين - 11 يناير 2016

Mon - 11 Jan 2016



(الصحوة) كانت ولا زالت مكونا رئيسا في المجتمع السعودي، تفاعلت مع قضاياه وكانت موجها فكريا حاضرا خلال العقود الثلاثة الماضية. تختلف مع الصحوة أو تتفق ليس هذا أبدا محور الحديث هنا. لأننا سنتجاوز الخصام الثقافي بين التيارات، لنتحدث عن تأريخ المرحلة بتفاصيلها. الصحوة برغم حضورها الطاغي على الساحة الثقافية لم تهتم بفكرة توثيق اللحظة كثيرا، وهذه مشكلة عميقة داخل تيار من أدبياته (الاحتساب) و(نسأل الله الإخلاص)، ولم يدرك بعد أهمية تدوين هذه الفترة بجميع أبعادها، وتحديدا السلاح النووي الذي استخدمته الصحوة في كل معاركها الثقافية: شريط الكاسيت!

لن تجد من وثق التيار الصحوي من أبنائه، خلا محاولات بسيطة هنا وهناك، وظل الوسط الثقافي ينظر لكثير من الأحداث التي عصفت بالبلاد من الزاوية المناوئة للصحوة، بجميع تياراتها المتعاقبة، ابتداء بالاشتراكية والشيوعية التي انتشرت أنديتها المختلفة مرورا بحقبة الحداثة وحرب الخليج وانتهاء اليوم بالليبرالية السعودية! تصفح سريع لأدبيات هؤلاء مع التباين الفكري بينهم، تجد هناك حضور لكتابة تفاصيل كثيرة عاشوها، وظل صوت (الصحوة) غائبا، ولم يكتمل بعد قمر القصة الكاملة.

الذي أكد للعبد الفقير صحة نظرية (تأريخ المطاوعة يضيع)، أن كثيرا من أبناء الصحوة اليوم لا يعرف أي شيء عن نضال الأمس! لا يعرف أن نجوم اليوم هم ثمرة لشريط البارحة. لا أحد يعرف عايض القرني، سلمان العودة، ناصر العمر، سفر الحوالي، لولا آلاف الأشرطة التي توزع عند الجوامع وفي الطرقات، وهي السبب الحقيقي وراء حضورهم الطاغي اليوم. (المشتاقون إلى الجنة) هو أهم حدث في سيرة الشيخ محمد العريفي، لأنه من أخرجه للسطح بعد تجاوز مبيعاته المليون! ليس من الوفاء للشريط الإسلامي - بعد كل هذا - أن يتم تجاهل هذه المرحلة بهذا الشكل!

الأكثر حزنا وإيلاما لمن عاش في كنف الصحوة، أن أعمدة هذا البناء بدأت في التساقط واحدا تلو الآخر. تخيل أن تسجيلات (التقوى) شبه أقفلت! لن تسمع مرة أخرى ذلك الأخ المصري -بالمناسبة اسمه محمد العمريطي- الذي يردد في آخر الشريط وبلكنة مصرية جميلة: إن رقم هذا الشريط هو: 9634! صولات وجولات (التقوى) ومبيعاتها الطاغية في السوق، أصبحت الآن جزءا من الماضي، ولم يبق سوى محل صغير مقابل جامع الراجحي. ليس هذا فحسب، تسجيلات (أحد) ذات المبنى الضخم في خريص الرياض، هي الأخرى أقفلت أبوابها وسرحت موظفيها! تسجيلات (اليقين) التي أخذت حقوق الشيخين سعيد بن مسفر وعائض القرني، هي الأخرى أسدلت الستار واعتزلت سوق الكاسيت. تسجيلات (القادسية) الأكثر حضورا وشهرة في المنطقة الشرقية، انضمت مؤخرا لحزب (الانكسارات) وأقفلت آخر محل لها بالشمع الأحمر، لتنسل هكذا وبهذه البساطة إلى سلة النسيان! بطبيعة الحال لا ننسى أن هناك تسجيلات وفئة استغلت المرحلة لتمرير خطاب متطرف كان له آثار قاسية كلفت الوطن كثيرا.

الجميل رياض الفريجي صاحب مؤسسة (رياض الإعلام) من القلة التي تكافح الموجة، حيث بدأت رياض في تنويع مواردها وإضافة بعض الخدمات لقائمة مبيعاتها، حتى تسدد الفارق في اختلاف ذائقة المستمعين. لكن الزميل رياض من الندرة التي لم تستطع بعد أن تغادر (حقبة الكاسيت)! الرجل تربطه لحظة عشق طويلة بتفاصيل المرحلة ويذكر دقائقها، بل إنه زين ديكور منزله الداخلي بسلسلة من أشرطة الكاسيت. الفريجي متحفز لتدوين هذه المرحلة وكتابة جميع فصولها، لكن (يد واحدة لا تصفق) وما زال يبحث عن من يساعده في إنهاء هذا المشروع الهام.

لا بد من تدوين هذه المرحلة حتى لا يضيع تأريخ المطاوعة. أشرطة مثل (نداء وحداء) (الشيخ أحمد القطان) (أناشيد الجنوب) (كشك) (غرباء) (أبناء طيبة) (أودعكم) (البواسل) (هادم اللذات) (أيها المسلمون) (كوسوفا وأحلام الصليب) (أبوعبدالملك) (مفرق الجماعات) والقائمة تطول، ولكل واحد منها حكاية طويلة من التسجيل والمبيعات والتوزيع والأثر. كانت محاضرة سلمان العودة -مثلا- تسجل المغرب في القصيم وتوزع صباح اليوم الثاني في الرياض!! وهذا إنجاز لوجستي في وقت لا يوجد فيه جوالات!

هذه ليست فقط أسماء تحتاج توثيق فحسب.. هذه ذكريات.. هذه أحلام جميلة لمن عاشها.. أيام فاتنة مليئة بالمشاعر والبكاء.. لحظات غارقة جمالا تحتاج من (المطاوعة) أن يقوموا بتوثيقها قبل أن تنسل لخانة الماضي. ولابد من التجرد في الكتابة وكتابة سلبيات المرحلة وإيجابياتها. أخيرا.. هناك من تجاوزها وهناك من لم يستطع الخروج منها مثل (حمد الدريهم) والذي عرفه الناس بصوته، ولا توجد له صورة إلى هذا اليوم! نعم.. لا يوجد له أي أثر برغم المحاولات الكثيرة المتعثرة لثني الرجل عن قراره وإخراجه للنور!