اكتشاف حديث قاد الباحثين إلى أن مرض القلب فتك بالإنسان منذ آلاف السنين، رغم نشاطه البدني وغذائه النباتي. وهذه النتيجة لا تدحض ما كان يعتقد نتيجة للدراسات السابقة بأن السبب هو سوء النظام الغذائي المكون من الوجبات السريعة عالية السعرات الحرارية، الخالية من الدهون المشبعة والملح ونمط الحياة المستقرة، مع قلة النشاط البدني، بشكل مباشر ولكنها قد تفتح الباب لوجود احتمالات أخرى تأتي في المقدمة، وقد تتراجع هذه العوامل المسببة لمرض القلب والمعروفة إلى آخر القائمة.
أما الذاكرة العربية فتختزن الكثير من مسببات هذا المرض، منها العام في شأن الأمة مثل تفكك الدول وضياعها واندثار الحضارات، مثل ما حدث في الأندلس. ومن أجمل ما قيل في هذا الخصوص قصيدة أبي البقاء الرندي الباكية على الأندلس عند سقوطها بأيدي الفرنجة، بشعر يصور فيه استباحة المعتدين للحرمات، ومنها ما جاء مباشرة معبرا عما سببته من علة وألم:
لمثل هذا يذوب القلـب من كمــد
إن كان في القلب إسلام وإيمــــان
ومنها الخاص المتعلق بالإنسان سواء أكانت ضغوطا نفسية أو عاطفية، معبرا عنها بحالات الغضب والتفكير السلبي. فالضغوط النفسية بشكل عام تتصاعد كلما زادت متطلبات الحياة، وكلما زاد تفاعل الإنسان مع الأمور التي تمر به مثل مشاكل العمل والأمراض الصحية والخلافات والمشاكل العائلية والديون وحوادث الوفاة والبطالة وغيرها. ويمكن أن تكون ضغوطا عرضية تتلاشى من نفسها ودون أي تدخل، ويمكن أن تكون متراكمة، تتكرر بمرور الوقت وعلى فترات طويلة، فتؤثر على الجسم حتى يصل إلى عدم التحكم بما تؤدي له من أعراض، قد توصل صاحبها إلى أمراض خطيرة أو آلام نفسية شديدة.
أما زيادة الضغط العاطفي فبالإضافة إلى تعريض القلب للمرض فإنها تلعب دورا ملموسا في دفع مرضى القلب إلى حتفهم، حسب آخر الدراسات العلمية. وقد لاحظ العلماء أن معدلات الوفيات بين مرضى القلب الذين يعانون في الوقت نفسه من ضغوط نفسية وعاطفية، تزداد بثلاثة أضعاف عن أقرانهم من نفس المرضى ممن لا يعانون من ضغوط مشابهة.
وموضوع القلب كجهاز حيوي، أكبر من مجرد عضلة تضخ الدماء، ففي كثير من آيات الذكر الحكيم جاء القلب في موقع العقل، مما يثبت أن له مهمة بحسبانه مركزا للتحكم في المشاعر والأفكار يختلف عن مركز المشاعر والأفكار الموجود في الدماغ.
هذه مناسبة لأن يعود العلم الحديث إلى أصول الطب القديم، حيث كان أرسطو يجعل القلب موضع القوى النفسية وتأثر بذلك ابن سينا أما جالينوس الطبيب فقد جعلها في الرأس. أو إلى العصر الجاهلي من التاريخ العربي حيث كان يعتقد أن القلب منبع الروح وموطن العقل. كانت العرب تعتقد أن القلب مركز العقل فظهر كإحدى مرادفاته، فانعدم التمييز بينهما في لغة العرب. وفي قول الشاعر الجاهلي أوس بن حجر الذي يقصد بكلمة قلبه، عقله:
صحا قلبه عن سكره فتأملا
وكان بذكرى أم عمرو موكلا
أما امرؤ القيس فذكر في معلقته الشهيرة:
أغرك مني أن حبك قاتـــلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وأنك قسمت الفؤاد فنصفـه
قتيل ونصف في الحديد مكبل
أما في استخدام الشعراء المحدثين فقد جاءت القصيدة المنسوبة للأمير عبدالله الفيصل بهذه الأبيات:
قلبي وطرفي على قتلي قد اتفقا
وا حيرتاه فما لي في الحياة بقا
قد أورثاني عشقا لست أحمله
وأورثا مهجتي التسهيد والأرقا
فإن أتيت إلى قلبي أعاتبه
ألقاه في غمرات الحب محترقا
وبهذا الفتح العلمي نعود إلى حيث الابتداء، حيث تتأصل وظائف القلب، طبا وحكمة ورومانسية.