شكلت اجتماعات فيينا التي عقدت بين أكتوبر ونوفمبر 2015 محطة مهمة من محطات البحث عن حل للأزمة السورية التي أخذت مسارا تصعيديا بفعل تطورات عدة، أبرزها التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام السوري، وذلك وفقا لتقرير حديث صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مسار فيينا يقلع من الرياض

بعد إقرار مبادئ عامة لحل الأزمة السورية في اجتماع فيينا الموسع الأول في 30 أكتوبر 2015، تضمنت تأكيد وحدة سوريا واستقلالها وسيادتها تجاه أراضيها كاملة، والحفاظ على مؤسسات الدولة وحقوق السوريين جميعا بغض النظر عن الإثنية والمذهب، وعد بيان جنيف 2012 وقرار مجلس الأمن 2118، هما الأساس لأي تسوية كانت، تمكن اجتماع فيينا الموسع الثاني في 14 نوفمبر 2015 من إقرار خريطة طريق للحل وفق جدول زمني يمتد إلى ثلاث فترات متلاحقة تنتهي آخرها في ديسمبر 2017.
وتنطلق العملية التفاوضية برعاية الأمم المتحدة في الفترة الأولى التي تبدأ في مطلع 2016، وتهدف إلى الاتفاق على آليات وقف إطلاق النار، في حين تشهد الفترتان اللاحقتان الإعلان عن تأسيس حكم ذي صدقية وشامل وغير طائفي وإصلاحات دستورية، يليها إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة تشمل السوريين كافة في الداخل والخارج.
وأوكل اجتماع فيينا إلى السعودية مهمة جمع أطراف المعارضة السورية وتوحيدها، استعدادا لإطلاق العملية التفاوضية مع النظام.
بناء على ذلك، تمت دعوة أطراف المعارضة السورية إلى اجتماع في الرياض في 8 و9 ديسمبر 2015، واتفق المؤتمرون على وثيقة سياسية للحل تشمل تأكيد وحدة سوريا، والاتفاق على مدنية الدولة وسيادتها ووحدة الشعب السوري في إطار التعددية، إضافة إلى التزام الديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض الإرهاب بجميع أشكاله والحاجة إلى إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية وسحب السلاح وتسليمه إلى الدولة التي تدير شؤونها حكومة شرعية ينتخبها الشعب، كما أنهم اتفقوا على تشكيل هيئة عليا للإشراف على العملية التفاوضية مع النظام برعاية الأمم المتحدة.
ووفقا للتقرير، فقد مثل مؤتمر الرياض محطة مهمة في مسيرة الأزمة السورية، فقد جاء بدعم وتكليف دولي لتوحيد موقف المعارضة السورية قبل انطلاق مسيرة التسوية التي تضمنها بيان فيينا الثاني.
وباستثناء رفض إيران، أيدت جميع القوى المعنية بما فيها روسيا انعقاد المؤتمر الذي ضم أوسع تمثيل ممكن لأطياف المعارضة السورية السياسية والعسكرية من داخل سوريا وخارجها.
وشكلت مشاركة فصائل إسلامية كبرى مثل «أحرار الشام» و»جيش الإسلام» وموافقتهم على مبادئ تلتزم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومدنية الدولة تطورا بارزا زاد الاجتماع وما أفرزه من نتائج أهمية.

..ويهبط في نيويورك

بعد زيارة قام بها إلى موسكو يوم 15 ديسمبر 2015 اصطحب فيها مسودة مشروع قرار أممي يراعي المطالب الروسية، تمكن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي أخذت بلاده تعيد تموضعها في المسألة السورية، من خلال التحول إلى وسيط بين الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع من إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمشاركة في اجتماع لمجموعة عمل فيينا في 18 ديسمبر 2015 بنيويورك على هامش جلسة لمجلس الأمن الذي كانت الولايات المتحدة تتولى رئاسته الدورية.
وكانت موسكو تتذرع بعدم نضج الأوضاع للتوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يتضمن شروط الحل السياسي في سوريا، بسبب الإخفاق في التوصل إلى اتفاق حول قائمة التنظيمات الإرهابية في سوريا وتشكيلة وفد المعارضة بشأن المفاوضات مع النظام.

فرص التسوية

نظريا، تبدو فرص تسوية الأزمة السورية أكبر من أي وقت مضى، فالقرار رقم 2254 هو القرار السياسي الأول الذي يتناول حل المسألة السورية حلا مباشرا، في حين أن جميع القرارات الأممية السابقة كانت إما خاصة بتناول الجوانب الإنسانية والإغاثية في الأزمة السورية (مثل القرار 2042 و2043 في 2012)، أما القرار رقم 2118 في 2013، فقد كان مخصصا للتخلص من أسلحة النظام الكيماوية.
إن هذه التطورات تفرض على المعارضة تحديات حقيقية ينبغي وضع استراتيجية سياسية وعسكرية متكاملة لمواجهتها.
صحيح أن النظام ما زال عاجزا عن تحقيق اختراق استراتيجي في أي منطقة من المناطق التي يحاربها، ولكن يجب ألا يكون الصمود الذي تبديه فصائل المعارضة سببا لاطمئنان في غير موضعه، خاصة مع تحول مكافحة الإرهاب إلى العنوان الأبرز للتعامل الدولي مع الأزمة السورية.
وهذه التحديات لا يمكن مواجهتها إلا إذا تمكنت المعارضة من توحيد جهدها العسكري، ومن ثم تتمكن من تغيير استراتيجيتها العسكرية في أوضاع القصف التدميري والأرض المحروقة في اتجاه حرب العصابات.