قبل عدد من الأسابيع ناقشت أهمية نوع من المهارات تسمى «soft skills» أو حسب ترجمتي الخاصة «المهارات غير المحسوسة» وذلك في مقال بعنوان يحمل اسمها.
وقد حددتها بتلك التي يصعب إخضاعها للقياس مقارنة بالمهارات الأخرى التي تشمل القدرات اللغوية والرياضية والعلمية وطرق حل المسائل (القدرات الذهنية).
وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام بالمهارات غير المحسوسة من قبل قادة الأعمال عند التوظيف، وارتفاع أهميتها فيما يتعلق بنجاح الفرد على المستوى الشخصي وكذلك المهني، فإن الوعي الوطني والتعليم لا يزالان غير مواكبين لذلك التحول الذي فرضته العوامل الاقتصادية المعاصرة.
مع الأسف، لا زلنا نتبنى النظرة التقليدية التي تؤكد على تنمية الجانب الذهني فقط للإنسان.
في حين أصبحت الحاجة ملحة بأن يولي التعليم اهتماما بالقدرات غير الذهنية وبشكل لا يقل كفاءة وجودة عن المعارف والقدرات التقليدية، وعلى كل المراحل التعليمية (المدرسية، التقنية، والجامعية).
وعلى الرغم من أن الأبحاث العلمية لا تقدم إجابة وافية لتحديد وقياس تلك المهارات بشكل أدق، سنحاول التعرف عليها من خلال عرض بعض النتائج البحثية والتقارير المعدة من قبل المهتمين بتطوير التعليم بالدول الرائدة صناعيا والمسوح الميدانية المتوفرة لتتضح الصورة حولها ومدى تأثيرها على مستقبل الفرد.
تذكر دراسة أجراها الباحثان Heckman and Rubinstein) 2001) أن الطلاب الذين توقفوا عن الدراسة (ومع أن قدراتهم الذهنية مرتفعة) هم أكثر الموظفين غيابا، أقل رواتب، أقل حظا في التوظيف، أكثر ارتكابا للمخالفات مقارنة بمن استطاعوا إكمال تعليمهم.
وقد ذكر الباحثان أن فشلهم في الحياة المهنية مرتبط بضعف في عدد من القدرات غير الذهنية، انعكست مسبقا على شخصياتهم حينما عجزوا عن الانتظام والإصرار في مواصلة الدراسة.
وبعد ضبط عدد من العوامل المؤثرة على تفوق الطلاب، وجد الباحث Segal 2012 أن السمات التالية للطلاب: اللامبالاة، تكرار الغياب، شرود الذهن أو الإهمال، التخلف عن أداء الواجبات، التشتت باستمرار، كلها سمات ارتبطت لاحقا بمعدلات الرواتب (أحد مقاييس النجاح المهني) لهؤلاء بعد مرور 12 سنة من التخرج، وبشكل يتعدى تأثير قدراتهم الذهنية.
بعبارة أبسط، تلك السمات تعكس ضعفا في عدد من القدرات غير الذهنية (كالعزيمة أو تحمل المسؤولية أو بعد الرؤية) والتي إن وجدت في الشخص، يمكن أن تحكم نجاح مستقبله المهني، وبخاصة إذا تزامنت مع تقدمه في القدرات الذهنية.
مهما تفوق الشخص في قدراته الحسابية أو اللغوية أو النقد أو السببية، هذه القدرات لا يمكن أن تعالج أي خلاف قد ينشأ بين شخصين في فريق عمل داخل شركة تؤمن وتعزز التنوع الجنسي والثقافي (interpersonal skills).
أيضا، لا يمكن لهذه القدرات أن تصنع شخصا عالي الهمة وواضح الرؤية وقوي العزيمة وسديد الخطى تجاه أهدافه (intrapersonal skills).
ضعف هذه الجوانب سيترتب عليه ضعف في الإنتاجية وسيؤخر النمو المعرفي والربحية لتلك الشركات، وسيترتب عليه أيضا تراجع فرص نجاح الفرد، ولن تحل محلها أو تعالجها قدراته الذهنية المتفوقة.
مناقشة هذا الموضوع تطول، لهذا سأكمل الحديث الأسبوع المقبل بإذن الله.
almarahbi.
h@makkahnp.
com