بعد صدور الأمر الملكي الذي يجرّم الانتماء للتيارات أو الجماعات المتطرفة أو المصنّفة كمنظمات إرهابية داخلياً أو إقليميا أو دولياً، فإن أول ما يتبادر للذهن هم السعوديون المنتمون أو المتعاطفون مع تنظيم الإخوان المسلمين، وهؤلاء لم يعد انتماؤهم سراً، بل إنهم أصبحوا معرفين بالأسماء، وجاهروا هم بذلك سواء في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد صعود تنظيم الإخوان إلى سدة الرئاسة في مصر، وهؤلاء قسمان، قسم هم المنتمون للتنظيم الذين كانت ردة فعل بعضهم هي العودة للتكتيك القديم، فأزالوا شعار رابعة من صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام قلائل من صدور الأمر الملكي، وعادوا للغتهم المواربة والمخاتلة، وحاولوا تجاهل التعليق على الأمر الملكي، ومن تكلم منهم فإنه حاول أن يُميّع الكلام ويطالب بالتريث في تصنيف التنظيم متكئاً على الفقرة الرابعة من الأمر الملكي التي تنص على أن: (تشكل لجنة من وزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة العدل، وديوان المظالم، وهيئة التحقيق والادعاء العام، تكون مهمتها إعداد قائمة تحدث دورياً بالتيارات والجماعات المشار إليها في الفقرة (2) من البند (أولاً) من هذا الأمر)، متجاهلين أن الفقرة (2) من البند الأول تُشير إلى (الانتماء للتيارات أو الجماعات وما في حكمها الدينية أو الفكرية المتطرفة أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخلياً أو إقليمياً أو دولياً...)، وكأنهم ينتظرون أن تخلو القائمة من تنظيمهم، فهم ما زالوا يؤمنون بأن الحكومة المصرية الحالية تفتقد للشرعية، وبهذا من باب أولى أن يكون تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية من قبل الحكومة المصرية غير شرعي، وبهذا سيعودون لما قبل مرحلة مرسي حيث السرية والعودة لمرحلة التجييش والتعبئة، وطرح أسئلة تخلف الأٌمة وبطء التنمية، وتقاعس المسلمين عن نصرة المضطهدين في الأرض حتى يصل الناس للذروة ويسألون: ما الحل؟ وهذا السؤال المُنتظر طويلاً بأجوبة جاهزة مختزلة ووعود بالحرية والتنمية والعدالة في العالم الإسلامي أجمع، وهؤلاء لن يسعوا للمواجهة أو التصعيد، بل سيعودون خطوة واحدة للوراء فقط، أما القسم الثاني فهم المتعاطفون، وهؤلاء ليسوا أعضاء أو منتمين للتنظيم، ولكنهم (بُرمجوا) وانخدعوا بالشعارات التي حُقنوا بها سنوات، فهم لا يؤمنون أصلاً بوجود تنظيم له أجندة وأدبيات وأهداف، إنما يتعاطفون معهم لأنهم ينظرون إليهم على أنهم أُناس متدينون سيعيدون للأُمة مجدها وعنفوانها، وأن من يعارضهم هو ممن لا يُريد بالإسلام وأهله خيراً، وهذه القناعة لم تأت لقراءة أو موقف متسرع، بل هي نتاج سنوات من التلقين، منذ أن كان كتاب (الجهاد في سبيل الله) لمؤلفيه أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيّد قطب يُدرس في المدارس السعودية في عصر (وزارة المعارف)، وما تلا ذلك من منهج خفي صال وجال في أوردة التعليم العام ومن ثم العالي حتى أثمر وتجذّر في أماكن عديدة في المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، فإن كان القسم الأول سيلجأ للخفوت ظاهرياً ويُمارس عمله بسريته التي برع فيها، ويخاتل باللغة مما يجعل من الصعب القضاء عليه، لاسيّما أنهم لن يجدوا غضاضة في أن يتبرؤوا مما اقترفوه، وأنه لا يتعدى سوء تقدير وقراءة خاطئة ومتسرعة، ولهذا لن يكون من السهل اجتثاث هذا الفكر، وما الأمر الملكي إلا البداية الرسمية، فمسألة القضاء على فكر تعاقب على مدى ثلاثة أجيال يحتاج وقتا طويلا للاقتراب من جذوره الضاربة في العمق، ومثلما أن الدولة عليها عبء كبير، فالمواطن عليه أيضاً عبء أكبر، وفي التجارب المشابهة كتنظيم القاعدة احتجنا وقتا طويلا ليس فقط للقضاء على التنظيم، بل لمواجهة الفكر الذي خلّفه، والرهان الكبير هو وعي المواطن الذي أثبت من قبل أن محاولة تجهيله وسلب حقه في التفكير لن تنجح حتى وإن بدا ذلك في مرحلة معينة لكنها لن تكون كذلك دائماً.
إخوان الداخل.. تكتيك المنتمين وعاطفة البسطاء
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
