عندما بنى الصينيون سور الصين العظيم أجادوا بناءه، ولكنهم أغفلوا جانبا مهما.. كان العدو يدخل بسهولة عبر السور. كيف؟ كان يقوم برشوة حارس السور فيفتح الأبواب. انشغل الصينيون ببناء السور وأغفلوا «بناء» الحارس.
بناء البشر أهم بكثير.. بناء أسرة، والبناء يعني تأسيسا قويا لا يخترقه شيء مهما كان فيتلفه. قد تجد قصورا والأسر التي بداخلها مهدومة لا تحمل مبادئ تحميها. قد تجد أستاذا حصل على أعلى الدرجات العلمية ولكن نفسه خربة.
من أين يأتي الهدم لأية حضارة؟ يأتي من هدم الأسرة، هدم التعليم، إسقاط القدوة.
كيف تهدم أسرة؟ غيب دور الأم. اجعلها تخجل من وصف ربة منزل. اخرج بها إلى كل مجالات العمل واجعل ذلك على حساب أسرتها وتربيتها لهم واعتزازها بهم، وبكونها لا تفعل سوى الاهتمام بهم.
كيف تهدم التعليم؟ لا تجعل للمعلم أهمية في المجتمع. قلل من مكانته ودوره. همشه. افسح المجال لكل ما من شأنه الاستخفاف به. لا تعطه ما يسد رمقه ويملأ عينه.
كيف تسقط القدوات؟ اطعن في العلماء والمفكرين ورجال الدين. قلل من شأنهم. شكك فيهم، فلا يسمع لهم أحد ولا يقتدي بهم.
إذا اختفت الأم الواعية والمعلم المخلص وسقطت القدوة، فمن يربي على القيم؟
ألا ترى معي أن هذا أو قريبا منه يحدث الآن في كل العالم؟
إذا بنيت المجتمع فلن يخترقه فتن ولا إغراءات لا في السلم ولا في الحرب. لن يخونك. سيلتف حولك حين تحتاجه. لن تخسر أبدا. إذا بنيت الأساس في المجتمع: الأسرة: الأم.
إذا بنيت الإنسان.. الكيان الحر الكريم الواعي الشريف.
لا تقل لي إننا فقدنا كل ذلك، وإن مبادئنا التي ترتكز على دين عظيم لم تعد تجدي، وإنها أصبحت باهتة، وإننا نخدع ونكذب وننافق ونظلم ولا نجيد ما نعمل ونتجسس ونتخاذل ونقبل الرشوة ونشهد بالزور ونستغل مناصبنا أسوأ استغلال، وكأننا تربينا في كيان لا ملامح له مبهم ضعيف مشتت.
سؤال قد لا يكون له علاقة بمقالي هذا أو قد يكون في صميم المقال: أين كانت البلدية طوال هذه السنوات عندما بنى ذلك الرجل جزءا من بيته بشكل مخالف؟ لا أقف بجانبه، ولكني أتمنى أن يفتح فمه كل من هو مثله في مجتمعنا بكلمة متهورة فيحدث جرد لا هوادة فيه لكل مخالفاته ويعاقب عليها علنا.. وعدلا.
وهل العقاب يشمله هو فقط أم أيضا من ساهم في ذلك وسمح به وقبض الثمن؟. لو لم يجد هذا الرجل وسواه من يتساهل معه ويسمح له ويأخذ المقابل ويغض النظر عن مخالفاته لما تمكن هو أو غيره أن يفعل ما فعل، ولا أن يصبح هو وسواه غولا. وما أكثرهم بيننا، ولكنهم على ما يبدو يجيدون الصمت ويعرفون تماما بماذا يصرحون عندما يتحدثون.