ما زال المرضى النفسيون يمثلون قنابل موقوتة في شوارعنا، دون أي تحرك فعال للتصدي لهذه الظاهرة، أو أن تكون هناك جهة مسؤولة بشكل مباشر وواضح عن تلك الحالات، فهؤلاء ليسوا بحاجة للمساعدة فحسب لكنهم يشكلون خطرا حقيقيا على المارة بالطرقات، وكان إطلاق أحدهم الرصاص على أحد المارة بحي العتيبية في مكة آخر الحوادث التي تقع على أيدي هؤلاء وإن لم تكن الأخيرة.
مسؤولة البحث الجنائي بالعاصمة المقدسة هالة الحارثي قالت في تصريح خاص لـ»مكة»: البحث الجنائي فقد السيطرة على المرضى النفسين المشردين في الشوارع، وأصبح دوره الوحيد يبدأ عندما يرتكب المريض النفسي جريمة بعينها، فيتم القبض عليه وتسليمه للجهات المعنية سواء للصحة النفسية أو دار الأحداث لمن هم صغار في السن أو السجون للكبار.
وأضافت الحارثي: تواصل البحث الجنائي مرات عدة مع أهالي المرضى النفسيين في محاولة لوضع ضوابط للسيطرة عليهم، لكن الأهل يفقدون السيطرة على ابنهم عندما يبدأ بالضرب وافتعال الشغب داخل المنزل، فيفتحون الباب له ليخرج ويجول في الشوارع دون رقيب.
وأشارت الحارثي إلى أن الشوارع أصبحت مكتظة بالمرضى النفسيين الذين ينامون على الأرصفة ولا يقبض عليهم إلا إذا افتعلوا جريمة بعينها وأثبتت عليه، مؤكدة أن هناك من يهرب من الصحة النفسية أو من يكتب تعهدا باستلام المريض النفسي من الصحة النفسية والحفاظ عليه لكن بعد دخوله المنزل يفقد السيطرة عليه، بالإضافة إلى من يعالج مريضه النفسي بشكل أسبوعي أو شهري بإعطائه الأدوية بانتظام وعندما يشعر أن حالته استقرت يبعد عنه العلاج لكنه بعد فترة يعود لوضعه النفسي.
ونوهت الحارثي بأن أسباب المرض النفسي كثيرة، أهمها الضغوط التي يعيشها بعض أفراد المجتمع، فالبعض يحتمل تلك الضغوط بتقربه من الله والبعض لا يحتمل الضغط النفسي فيفقد أعصابه ويتحول إلى مريض نفسي.

نقص إمكانات

وذكر مصدر مسؤول في مستشفى الصحة النفسية بالعاصمة المقدسة - تحتفظ «مكة» باسمه - أن جميع المرضى النفسيين عند دخولهم المستشفيات يحتاجون إلى رعاية واهتمام ومكان إقامة يناسب طبيعة مرضهم، وطاقما طبيا وإداريا على مدار الساعة لمراقبة حالتهم الصحية، وهذا ما يفتقده معظم مستشفيات الصحة النفسية الموجودة في المملكة.
وأكد أن مستشفى الصحة النفسية بالعاصمة المقدسة توجد به حالات هروب بسبب عدم وجود حراسات أمنية مكثفة أو إهمال من قبل بعض أفراد الطاقم الطبي أو عدم الحضور، وغياب الاهتمام بعلاج المرضى النفسيين.
وهذا ما سبب تدهور بعض حالات المرضى النفسيين وحرمهم التحسن بعد فترة من العلاج.
وأضاف أن المريض النفسي يحتاج إلى ساحات واسعة ليجول بها عكس المباني المسلحة التي يحبس بها دون وجود مكان يقضي يومه به، فيضطر بعض الأهالي إلى إخراج مرضاهم النفسيين وأخذهم إلى المنزل دون أن تتحسن حالتهم المرضية.

مدمنون

ويقول الاستشاري النفسي في سجون العاصمة المقدسة خالد العتيبي لـ «مكة»: أكبر عدد من المحتجزين بالصحة النفسية ليس من هؤلاء المرضى النفسيين، ولكن من الموقوفين في قضايا تعاطي المخدرات، فعند إيداع المتعاطي أو المدمن السجن يتم قطع المخدر عنه فيسبب ذلك له اضطرابا نفسيا واكتئابا، وبعض الخلل في بعض الحواس، حيث يتم عرض السجين فورا على الطبيب النفسي ويتم فتح ملف خاص له.
وأضاف العتيبي أن بعض الحالات النفسية تكون قد اجتازت مراحل متقدمة مع المرض النفسي، حيث لا يعي المكان أو الزمان ويحتاج إلى رعاية نفسية وسريرية لتلقي العلاج بانتظام ولا نستطيع أن نقلل المخدر عنه لأن إدخاله السجن مخالف للنظام والقوانين.
وأكد العتيبي أنه في حال شفاء السجين وانقضاء فترة محكوميته داخل أسوار السجن وخروجه واختلاطه بأصدقائه السابقين سيرجع لتعاطي المخدرات مرة أخرى لأنه لم يغير بيئته التي جعلته من المتعاطين، وقد يكون عدم تقبل المجتمع له أحد أسباب رجوعه لأصدقائه السابقين الذين دفعوه للمخدرات من قبل.
وأشار العتيبي إلى أن من أهم البرامج التي تقدم للسجين تقبل السجين وضعه بعد خروجه، وإعطاؤه فرصة لإدماجه في المجتمع، بحيث يلحق ببعض الدورات والمعاهد التقنية بجميع تفرعاتها من نجارة وحاسب آلي وبعض الحرف اليدوية ليكتسب فرصة عمل بعد خروجه من السجن، وتكون تلك الدورات بشهادات معتمدة بالإضافة إلى السعي في إيجاد وظيفة وضمه لبرنامج توظيف معتمد وإيجاد مقر لإكمال تعليمه الدراسي عن طريق التعليم عن بعد.