صدِّق أو لا تصدِّق: العالم أصبح أكثر تدينا من أي وقت مضى! يبدو أن جميع الناس في الوقت الحاضر يسلِّمون بأن العالم يتوجه أكثر فأكثر نحو العلمانية، وأن الحداثة سوف تقضي في النهاية على الاعتقادات الدينية والإيمان بين الناس.
العلماء، العلمانيون والملحدون يصفقون لمثل هذا التغيير؛ في حين أن المتدينين من كل الأطياف يأسفون على ذلك.
لكن الحقيقة هي أنهم جميعا على خطأ.
إن الأسطورة التي تقول بأن الناس في شتى أنحاء العالم يهجرون الدين ويتجهون إلى العلمانية والإلحاد غير صحيحة على الإطلاق.
تشير آخر الأبحاث الميدانية إلى تزايد نمو الدين في المستقبل، وأن ذلك سيكون له تأثير كبير على حياة الأجيال القادمة.
تحول العالم
بالرغم من توقعات الأكاديميين وبعض الزعماء الدينيين الليبراليين فإن العالم يتحول إلى مزيد من التدين، وليس إلى قليل من التدين.
يقول الباحث والمدير المشارك في معهد الدراسات الدينية في جامعة بايلور في تكساس، الولايات المتحدة رودني ستارك، في كتابه "انتصار الإيمان: لماذا أصبح العالم أكثر تدينا من أي وقت مضى" الصادر عن دار انتركوليدجيات ستوديز، 2015 إن أعداد الملحدين ليست في تزايد كما يدعي البعض.
والبروفيسور ستارك يهاجم في كتابه شركات استطلاع الرأي، بما في ذلك مركز بيو الشهير للأبحاث، والتي تعلن بين الحين والآخر أن هناك زيادة ذات دلالة في أعداد الأمريكيين الذين يقولون إنهم لا ينتمون إلى أي طائفة أو مذهب ديني.
في العام الماضي، قال مدير قسم الدين في مركز بيو للأبحاث ألان كوبرمان إن الولايات المتحدة "أصبحت أقل تديُّنا بشكل عام.
" وينتقد السيد ستارك الأساليب التي يستخدمها مركز بيو وغيره من شركات استطلاع الرأي من خلال التأكيد على أن نسبة المشاركة في استطلاعاتهم أقل من أن تبرر التعميمات الواسعة التي يقدمونها.
رفض العولمة
لكن المعركة الحقيقية للبروفيسور ستارك ليست مع مراكز وشركات استطلاع الرأي بقدر ما هي مع أبناء النخبة المثقفة في المجتمعات الغربية، والذين يعلنون منذ زمن طويل أن الأديان قد انتهت، ويسوقون للنظرية العلمانية منذ عقود.
بالنسبة لهم، الاعتقاد الديني هو مؤشر على التخلف الذي لا يتقبله سوى الجهلة وغير المتعلمين.
ويضيف هؤلاء أنه مع انتشار التعليم، يرى الناس حماقة أساليبهم وتفكيرهم ويتخلون عن اعتقاداتهم الدينية.
وبما أن التعليم ينتشر أكثر فأكثر في شتى أنحاء العالم بفضل زيادة العناية به وتطور التكنولوجيا، فإن التدين سوف يتلاشى مع الزمن.
يرفض البروفيسور ستارك نظرية العولمة تماما ويفندها من عدة نواح.
في جزء من الكتاب تحت عنوان "أسطورة التدين في القرون الوسطى"، يقول ستارك، على سبيل المثال، إنه خلال ما يسمى (عصور الظلام في أوربا) –عندما كان من المفترض أن الدين كان يخنق العقل ويجعل الناس يعيشون في عتمة قاتلة- كان أكثر من 90% من السكان في أوربا يعيشون في المناطق الريفية، بينما كانت الكنائس موجودة بشكل أساسي في البلدات الكبيرة والمدن الرئيسة: "لذلك كان معظم الناس لا يذهبون إلى الكنيسة.
علاوة على ذلك، حتى بعد أن أصبح بإمكان غالبية الأوربيين أن يذهبوا إلى الكنائس، لم يذهب غالبية الناس إليها، وعندما كانوا يجبرون على ذلك، كانوا يسيئون السلوك".
الفقراء ليسوا أكثر تدينا
باختصار يقول السيد ستارك إن الفقراء والناس الأقل تعليما ليسوا بالضرورة أكثر تدينا.
أما بالنسبة للنصف الآخر من نظرية العولمة فيبين البروفيسور ستارك أنه في جميع بلدان العالم تقريبا في الوقت الحاضر يختار مزيد من المثقفين التحول إلى الدين بأعداد أكبر من أعداد أقرانهم الأقل تعلما.
هذا صحيح بالتأكيد في الولايات المتحدة، حيث إن احتمال مداومة خريجي الجامعة على الأماكن الدينية أكبر من احتمال مداومة أقرانهم من حاملي الشهادة الثانوية.
يقول السيد ستارك إن الاحتكار يدمر المنافسة، والمنافسة تؤدي إلى النمو –سواء كان ذلك في المؤسسات الدينية أو في أسواق السلع والخدمات.
في عدة مناطق حول العالم، المنافسة بين المسلمين، التبشيريين، الكاثوليكيين، المورمون، ومئات الجماعات من الطوائف الدينية الأخرى، أدت إلى جو من الانبعاث الديني.
التساهل المتعجرف حل مكانه نشاط محموم لكسب أعداد أكبر من الناس.
لكن ذلك غير صحيح في أوروبا، حيث إن الكنائس فارغة الآن، بعد أن كانت تعد مهمة في وقت من الأوقات.
بالنسبة للذين يتبنون نظرية العولمة مثل هذا التطور ليس شيئا غريبا ولا يستحق الشكوى، لأن الكنائس الفارغة هي مؤشر على تطور التفكير المنطقي عند الناس.
لكن السيد ستارك يقدم بعض الأدلة التي تناقض ذلك تماما.
بالاستناد إلى بيانات وأرقام استطلاع جالوب العالمي الذي يشير إلى أن الأوروبيين المعاصرين يحملون جميع أنواع المعتقدات الخارقة للطبيعة.
أمريكا أكثر تدينا
يبدو أن المراكز الاستعمارية السابقة للمبشرين الأوروبيين، مثل دول أمريكا الجنوبية، أصبحت الآن أكثر تدينا، بينما أصبحت أوروبا نفسها تؤمن بمعتقدات أكثر بدائية.
وبالرغم من أن أعداد الأمريكيين الذين ينتمون إلى طائفة دينية أو أخرى ربما لا تكون في تزايد، إلا أن هذا لا ينفي أن الأمريكيين أصبحوا أكثر تدينا خارج الكنيسة والمؤسسات الدينية الأخرى.
في رأي معظم النقاد، هذا الكتاب سوف يغير الطريقة التي يرى بها القارئ الدين وقوى العولمة في شتى أنحاء العالم.
مما جاء في الكتاب
- -الحماس الديني ينتشر في كثير من الدول التي تعد عصرية.
- - ينتشر في الدول التي غالبية سكانها من المسلمين.
- -نسبة الناس الذين يرتادون المساجد أكبر ما تكون بين خريجي الجامعات ومعاهد التعليم العالي.
- -مفكرون من أمثال فيليب جنكينز لاحظوا على مدى سنوات أن الأديان–خاصة الإسلام والمسيحية- تنتشر بسرعة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
- - ويستند استطلاع جالوب العالمي الذي يتضمن الآن أكثر من مليون مقابلة من 163 دولة مختلفة جاء فيه أن:
- - نسبة العلمانيين في جميع دول أمريكا الجنوبية تقريبا لا تتجاوز 5%.
- - أصحبت البروتستانتية الديانة الأكثر وجودا في معظم دول أمريكا اللاتينية.
- - تمويل الحكومة للدين يشكِّل، بشكل عام، عائقا أمام نمو التدين.

