تزايدت في الآونة الأخيرة الكثير من الأصوات المباركة والمشجعة على تحالف تركي سعودي منشود، وتنسيق عالي المستوى بين الجانبين.
ولكن هل يا ترى ستصح تلك النبوءات؟ وهل سنرى على أرض الواقع تلك التطلعات.
أشك في دقة تلك التوقعات، وذلك بسبب عدد من المفارقات التي تتجلى في السياسة الخارجية للبلدين تجاه العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
أولا: الأزمة السورية: يقف البلدان إلى جانب المعارضة السورية، ويجمع البلدان موقف مشترك من ضرورة تخلي الأسد عن السلطة وضرورة تطبيق بنود جنيف (1) بحيث تكون الأساس في صياغة أي حل مستقبلي.
ولكن تبقى نوايا الدولتين من هذه الأزمة مختلفة تماما، فمن الواضح أن موقف المملكة يتمثل في المحافظة على وحدة الأراضي السورية وحقن دماء الشعب السوري بتحقيق هدف الثورة الأول وهو الإطاحة برأس النظام.
أما الموقف التركي المتذبذب في تصريحاته مؤخرا المدافع بشكل كبير عن الأقلية التركمانية في سوريا، والمشجع بشكل كبير على فرض منطقة حظر جوي، والمتعاون تجاريا مع داعش "إن صحت تلك الأخبار"؛ ليبعث بالشك والريبة عن موقف تركيا الحقيقي من هذه الأزمة، فهل لتركيا أطماع توسعية، أم لتركيا منافع أخرى من تزايد الصراع في الجارة السورية؟ وبذلك يكون الدافع الأخلاقي للوقوف بجانب الشعب السوري قد سقط، على عكس المملكة العربية السعودية التي بذلت ولا تزال كل ما بوسعها لدعم المعارضة السورية وتوحيد صفوفها لخلاص الشعب السوري من محنته.
ثانيا: العلاقات مع روسيا: إن تحركات تركيا مؤخرا بشن الهجمات المتفرقة على الفصائل الكردية، والتواجد العسكري غير المبرر في الشمال العراقي، بالإضافة إلى السعي وراء إنهاء الفتور في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب واستعادة العلاقات التي كانت تعتبر في فترة من الفترات "متميزة" بين البلدين؛ يعزى كل ذلك إلى محاولة الهروب إلى الأمام وتجنيب المكونات السياسية التركية (خصوصا بعد الانتخابات الأخيرة) تبعات التوتر بين تركيا وروسيا الذي حدث مؤخرا، وتوظيف ذلك التوتر ليصب في تحقيق مصالح داخلية لتقوية القاعدة الحزبية لحزب العدالة والتنمية وتحالفاته مع المكونات السياسية الأخرى في الداخل التركي.
بالإضافة إلى ذلك، المسارعة إلى توطيد العلاقات على شتى الأصعدة مع المملكة، في محاولة لسد الفراغ السياسي والاقتصادي الذي قد ينشأ ويتفاقم جراء ذلك التوتر مع روسيا.
خصوصا وأن محاولات المملكة بالنهوض بعلاقاتها مع روسيا لا تزال لم تسفر عن نتائج ملموسة.
فيبقى الموقف الروسي المتعنت حيال الأزمة السورية لم يتزحزح من مكانه، بل زاد غلوا في الفترة الأخيرة عن طريق تدخلها العسكري في سوريا، وقصفها لفصائل المعارضة المعتدلة والتي جاهدت المملكة في لم شملها في مؤتمر الرياض.
ثالثا: التوتر المصري التركي: وبعد مضي سنتين على الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، لا تزال تركيا متخذة موقفا متصلبا من الحكومة المصرية إثر ذلك الحدث.
وبالرغم من الدعم السعودي السخي الذي تقدمه المملكة إلى شعب مصر، فلماذا يسارع الأتراك للوقوف بجانب الداعم الرئيس لمصر؟ أليس بالأجدى أن تغير تركيا من موقفها تجاه الحكومة المصرية رغبة في مواصلة التنسيق والتحالف مع المملكة.
الجدير بالذكر، أنه يبقى المحك الرئيس الذي يبرهن صدق النوايا التركية من تعزيز التحالف مع المملكة، هو إلى أي مدى قد يصل دعمها للمملكة في حربها الحالية التي تشنها على أذناب إيران في المنطقة.
وبشكل أدق إلى متى تقف تركيا على الحياد أمام التنافس السعودي الإيراني في المنطقة ــ ولا يمكن حصر ذلك التنافس على الأزمة السورية وحسب ــ فلم يسبق لتركيا أن حسمت موقفها من سياسات طهران التوسعية والعابثة في أمن المنطقة واستقرارها؟ وخير دليل على ذلك تأييد تركيا لعاصفة الحزم وفي نفس الوقت يقوم الرئيس إردغان بعقد زيارة رسمية إلى طهران بعد شروع المملكة في حربها ضد الحوثيين بأيام قليلة.