في مقاله (تأملات في حدود الفردانية) في صحيفة الشرق الأوسط، كتب الدكتور توفيق السيف: (يبدو أن الفهم العام في مجتمعنا ومعظم المجتمعات الشرقية يميل إلى نبذ الفردانية كقيمة، وإعلاء شأن الجماعة).
أعتقد أن جزءا كبيرا جدا من سبب الأزمة الحضارية والثقافية هو عدم تنشئة الصغار على قيم الاستقلال الفكري والشعوري والاعتداد بالرأي المستقل، وربما كان هناك بعض القمع تجاه أي محاولة فردية للخروج عن النسق العام أو القالب الجماعي. تجدر الإشارة هنا إلى فكرة سيكولوجية الجماهير التي ستكون ضاغطة تلقائيا على أي شخصية لم تتعود الاستقلال أو الاعتداد بالنفس والثقة بفردانيتها المميزة.
لا أحب استخدام مفهوم (القطيع) الذي أصبح مفردة دلالية واضحة اليوم على الانحياز الجماعي تجاه أي فكرة خاطئة أو غير منطقية، برغم أن أول استخدام لها في لغتنا المحلية كان في أروقة سوق المال والأسهم، للدلالة بها على بقية المساهمين الصغار ممن لا حول لهم ولا قوة في تحريك مجرى السوق أو التأثير فيه، إلا أن تلك المفردة، وبصرف النظر عن المأخذ الذوقي في طريقة إسقاطها الدلالي، أصبحت فعليا تدل على الحالة غير الطبيعية من الانحياز إلى التزييف. منطق استعارة تلك المفردة وإسقاطها على مجموعة من البشر هو منطق استعلائي بعض الشيء، لكنه أيضا يضمر الحسرة تجاه بعض البشر ممن يسعون إلى حتفهم في انقياد ولا مبالاة.
ما يهمنا هنا هو كيف نصنع جيلا لديه القدرة على عدم الذوبان في المجموع؟ وإذا كانت صناعة ثقافة ذلك المجموع قد تمت في فترة سابقة وأصبحت الآن عائقا مستقبليا كبيرا أمام النهوض، فكيف يمكن تلافي هذا الذوبان العنيف لشخصيات وعقول وأرواح أجيال كاملة تحت وطأة التزييف؟
أولا يجب أن يكون هناك إدراك حقيقي لمكمن الخلل الذي هو خلل تربوي قبل أن يكون ثقافيا، وبالتالي ستكون المهمة الأولى هنا والأكثر خطورة في ملعب المسؤولين عن التربية. وهنا لا أفضل أن أضع المسؤولية على الأسرة؛ لأن الأسر ليست على نمط واحد في إدراك تلك التفاصيل الدقيقة في التربية، إنما مثل هذه المسؤولية يفترض بها أن تكون على مؤسسات التربية بكل أشكالها سواء في التعليم العام أو العالي.
وثانيا يجب أن يتلقى النشء - بالإضافة إلى تلقيه مبدأ الاعتداد بالنفس - مبدأ تحمل المسؤولية، بحيث يكون مسؤولا عن اعتداده بذاته ومتحملا تبعات استقلاليته كافة، وهذا من شأنه أن يحد من تلك السلوكيات المشاهدة للمراهقين والتي تنبئ عن رغبة في لفت الانتباه بطريقة يمكن بها تحقيق الذات، ولكن بعشوائية تنتج سلوكا مشوها، وهذا بلا شك بسبب عدم زرع تلك المسؤولية بشكل سليم، بالإضافة إلى تهميش الفردية في نفوسهم، وفوق كل ذلك محاصرتهم بالأسلوب البدائي في التربية وهو أسلوب المنع والعقاب، وربما التحريم أيضا كوسيلة يعتقد أنها ستكون كافية أمام ديناميكية ذلك الجموح الطبيعي للمراهق في تلك السن.
سيتلاشى التزييف تدريجيا مع الزمن، وسينشأ جيل أكثر قدرة على التفكير والإبداع متى ما تم تعزيز تلك الفردية، مع بعض القيم الأخرى الوقائية التي يمكن أن تحاصر تطرف تلك الفردية كالإيثار ونبذ الأنانية.

[email protected]