احتمالية اختراق الحقوق بقصد وعسفها بسوء نية في حكم الممكن، والضرورة في كل الأحوال تفرض اللجوء إلى القضاء، ولإعلاء شأن العدالة وتعزيز قيمتها الإنسانية لا يوجد ما هو أجمل من تقليص فترات التقاضي وتعجيل صدور الأحكام اللازمة لإحقاق الحق، وبالأخص ما يتعلق بالقضايا الحقوقية ذات الطابع الإنساني. على الطرف الآخر لا يوجد ما هو أسوأ من المماطلة والتسويف في تنفيذ الأحكام العدلية القطعية وتعطيلها بذرائع تستهدف الوقت لمحاولة خلق فرص للتملص من التنفيذ وتمييع حقوق الناس.
لا شك أن وتيرة التذمر ترتفع بمرارة جراء تعمد بعض الجهات المُلزَمة بالتنفيذ للمراوغة والتعامل مع الأحكام بأساليب ملتوية تنطلق تحت غطاء الأخذ والرد بلا حدود. هذا الأسلوب ينطوي على سوء الاستقواء بعامل الوقت وتطويع الإجراءات لصالح المماطلة، ليكون الضرر مزدوج التأثير – حيث يجمع بين هز مكانة القضاء وخدش سمعته إلى جانب إلقاء مزيد من الضغوط النفسية على طرف القضية، مثل هذا قد يحدث إما على يد مؤسسة رسمية مثلا، أو منشأة أهلية تحظى بكل أنواع الدعم الحكومي وتحقق من المكاسب المادية ما يؤمن لها النمو المستمر وهذه كارثة في جوفها وعلى ظهرها من القلق ما يكفي لإطعام وتطعيم الأيام بثقافة الاستدارة في وجه النظام والتقليل من شأن الأحكام ومنزلة قطعيتها.
المراقب يلمس وجود استراتيجية مماطلة في سير المرافعات حيث تتعمد بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية التخلف عن حضور جلسات التقاضي التي تكون طرفا فيها كخطة لإطالة أمد المرافعات إما للضغط على الخصوم لتغيير الموقف وإما للعب بورقة الوقت، ومهما كانت درجة قبول ذلك فإنه من غير المقبول أن تمتد المماطلة حتى في تنفيذ الأحكام. بكل الأحوال يحسب للمؤسسة العدلية إدراكها لأهمية الأمر وتأسيسها لهذه الغاية دوائر قضائية معنية بمتابعة التنفيذ.
ما تقدم، يدور في فلك قضية طرد بعض معلمات المدرسة العالمية بجدة بالقوة من موقع عملهن وإنهاء خدماتهن تعسفيا.

القضية تعود إلى إقدام مديرة المدرسة العالمية - وهي عربية تحمل الجنسية الألمانية- على فصل 7 معلمات سعوديات وطردهن إلى الشارع بأسلوب مضاد للنظام والأعراف كما ورد في أخبار الصحف والدفوعات المقيدة. المدرسة لم تنف الحادثة ولم تستنكر الوصف وفضلت المواجهة بأسلوب آخر تمثل في عدم تنفيذ الحكم الصادر لصالح المعلمات وفي ديباجته عودتهن لعملهن وصرف مستحقاتهن وعدم مضايقتهن، ما أجبر الجهات المختصة لاحقا إلى إسناد مهمة تنفيذ الحكم إلى الشرطة وفي هذا «أكثر من دلالة».
قضية من هذا النوع لا بد لها أن تكون في قائمة الدروس القاسية ومن الواجب دراسة أبعادها وتحليل معطياتها - (عدم احترام الإنسان والنظام وحتى الأعراف والمكان) مجموعة ثقيلة شكلت طابع القضية وعنوانها ورسمت في لوحة واقع الأمر علامات استفهام كبيرة. صحيح أن العدالة أخدت مجراها وأنهت المعاناة لصالح المعلمات الفضليات، لكن العدالة وقعت هي الأخرى في معاناة حينما اصطدمت في طريق التنفيذ بحواجز «الجهل في مرفق العلم» إن رغب المراقب تخفيف الوصف. وإلا الحقيقة تقول إن الحكم اصطدم بحواجز تستحق أن توصف بالمتمردة مع سابق التخطيط لكتم أنفاس العدالة وهنا مسرح الجريمة وفيه رأس الخطورة وبقية أجزائها.
هذه القضية المشبعة بالتساؤلات بحكم ما فيها من احتقار للإنسان والنظام بحسب تقديراتي، يمكن أن تُكيف في ضوء المتاح من تفاصيلها أكثر من اعتبارها مجرد قضية نزاع حقوقي. ماذا ستقول وزارة التربية والتعليم؟ وماذا ستقول وزارة العمل عن الأجواء المريحة التي مكنت المدرسة العالمية من ممارسة مخالفة النظام بشكل فاضح؟.. وهل ستتكرر الحادثة؟

القضية، قضية رأي عام ومكونها الأهم حدث في الشارع واستفزه. قولوا شيئا يطمئن الناس ويشعل جذوة الأمل.