الجميع يعرف أن السعودية ليست دولة متهورة، وأنها تغلب لغة العقل والحوار الهادئ على العاطفة، وأنها تميل للحوار السياسي العقلاني بعيدا عن كل التعصبات والتحزبات الدينية أو الطائفية.
هذا ما يتفق عليه جُل المحللين والنقاد والسياسيين على مختلف توجهاتهم، ويدركون.
في المقابل، أن الحلم السعودي على التصرفات الإيرانية وتدخلها في شؤون المنطقة وإثارة النعرات الطائفية، الذي يعود إلى نهاية التسعينات من القرن الماضي، سيبلغ مداه في يوما ما، وأن الرد السعودي عندئذ سيكون حاسما وحازما وموجعا، وهو ما حدث بشكل واضح منذ بداية العام الماضي بدءا من حرب إعادة الشرعية في اليمن، والتصريحات الرسمية السعودية التي تتهم إيران علانية بإثارة الفوضى في المنطقة، وأخيرا ما اتخذته السعودية من قرار بقطع علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيران بعد أن احترق حبل الصبر.
الخطوة السياسية السعودية بقطع العلاقات مع إيران لم تكن الأولى، فقد سبقها قطع آخر للعلاقات في عهد الملك فهد رحمه الله في الثمانينيات من القرن الماضي، وتحديدا في أبريل 1988، ردا على تصرفات استفزازية وإجرامية متراكمة تقوم بها السياسة الإيرانية المتعجرفة بدءا من 1986، قبل أن تعيد السعودية العلاقة معها في 1991 على أمل أن تتصرف كدولة طبيعية، لكنها منذ ذلك الحين، وهي تمارس سياسة عدوانية مستمرة وممنهجة، تأخذ أشكالا متعددة، بدءا من تفجير مقر الأمريكيين في الخبر 1993، وإيواء منفذين متهمين في ذلك التفجير، واستمرار محاولة إثارة الفوضى في الحج سنويا، ومحاولة اغتيال السفير السعودي في أمريكا (وزير الخارجية حاليا عادل الجبير) 2011، والتدخل في اليمن وسوريا، وقبلهما البحرين.
ومهاجمة سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد وإحراقهما وإتلاف محتوياتهما من قبل محتجين يوم السبت الماضي تحت مرأى ومسمع من السلطات الرسمية الإيرانية، ليست المرة الأولى بل سبقتها تجربة سابقة قبل ثلاثة عقود في 1987 هجم متطرفون إيرانيون على السفارة السعودية في طهران، واحتجزوا الدبلوماسيين السعوديين لعدة ساعات، وقتلوا واحدا منهم بعد إلقائه من النافذة، كلتا الجريمتين تؤكدان تواطؤ السلطات الإيرانية الرسمية مع هؤلاء المتطرفين، فلا يمكن افتراض غير ذلك أو قبول أي تبرير يحاول أن ينكر هذا التواطؤ، وبالتالي فإن السلطات الإيرانية شريك أساسي فيما حدث، وداعم ومشرعن لذلك.
وما أقدمت عليه إيران على مدى 37 عاما منذ اختطاف الثورة الإيرانية على يد الخميني، والاستفزازات والاعتداءات الإيرانية ضد السعودية مستمرة، وكلها تنم عن طموح فارسي يغلف بغلاف ديني لاستغلال وتوظيف الشيعة داخل البلاد العربية.
هذه الممارسات لا يمكن أن تصدر عن دولة ترغب في حسن الجوار، أو دولة تجيد السياسة الدبلوماسية، أو تنفع وتجدي معها لغة العقل والحكمة، ولم ترغب الحكمة السعودية التعامل معها بالمثل، رغم أن الشأن الداخلي الإيراني يعاني من تصدعات كبيرة، والأحواز العربية تغلي من الداخل، كلاهما يحتاجان إلى إشعال الشرارة الأولى، وإيقاظ الفتنة الداخلية، لأن السياسية السعودية ليست عنصرية، بل سياسة تحترم حق الجوار، ولا تتدخل في الشأن الداخلي للدول، ولم تدع للعنف أو إيقاظه تحت أي مسمى.
الخطوات السياسية السعودية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران تأتي ردا على زيادة وتصاعد وتيرة التمادي والتدخل الإيراني في الشؤون الإقليمية، والسعودية بالذات، ونتيجة لإصرارها على التصرف كدولة «ثورية» وليس كدولة طبيعية تحترم المواثيق الدولية وحق الجوار وحقوق الإنسان، وفي كل مرة تكتشف السعودية العبث الإيراني تحاول استيعابه والتصرف بعقلانية واحتواءه دبلوماسيا، لكن العقلانية الشوفينية والشيزوفرينية الإيرانية لم تدرك أن السياسة السعودية لديها الكثير من الخطوات القادرة على ردعها عن الاستمرار في سياساتها العدائية وأن الحلم والصبر بدآ ينفدان.
قطع السعودية العلاقات مع إيران بكل أشكالها - الدبلوماسية والتجارية والاقتصادية ومنع الطائرات الإيرانية من استخدام الأجواء السعودية، ومنع سفر السعوديين لإيران - حق طبيعي لحماية أمنها ومواطنيها من الشيطنة الإيرانية، وفي ميزان السياسة الدولية، وتعد البداية الأولى لتركيع الهمجية الإيرانية، وأعتقد أن في جعبة السعودية الكثير من فعلها في المستقبل، لأن السياسة السعودية لا تميل لكشف كل أوراقها دفعة واحدة، وأن ثقلها السياسي والاقتصادي والإسلامي سيعيد إيران إلى رشدها السياسي.
alofi.
m@makkahnp.
com
أوراق الرياض السياسية ضد إيران لم تكشف بعد!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
