في الحادي والعشرين من يناير 2013، انطلقت الرصاصة الأولى معلنة بدء عملية عسكرية واسعة النطاق في الأنبار، طرفاها الجيش العراقي وثوار العشائر (بحسب وسائل الإعلام المحايدة)، والجيش مع عشائر الأنبار ضد تنظيم داعش (بحسب وسائل الإعلام المقربة للحكومة)، وبين الجيش وتنظيم داعش (حسب وسائل إعلام تفتقر لمصدر دقيق للأخبار)
وقبل ذلك، وطيلة عام كامل، استمرت اعتصامات أهل السنة في ست محافظات، هي بغداد والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك ونينوى، وكان للمعتصمين جملة مطالب في الأشهر الأولى للاعتصامات السلمية، أهمها إطلاق سراح المعتقلين وخصوصا النساء السجينات، وإيقاف الاعتقالات العشوائية التي يتم أغلبها اعتمادا على تقارير المخبر السري، وتحقيق التوازن في مؤسسات الدولة لإنهاء حالة (التهميش والإقصاء) التي يشكو منها أهل السنة، وإيجاد فرص عمل لشباب السنة، وانتشال المحافظات السنية من هاوية الفقر والحرمان
مطالب المعتصمين
لاحقا، أضاف المعتصمون السنة مطالب أخرى إلى القائمة، فرضتها المستجدات الميدانية فيما بعد، إذ طالبوا بمحاكمة مرتكبي مجزرة الحويجة، إحدى مدن محافظة كركوك شمال العراق، والتي سقط فيها ما لا يقل عن 200 شخص بين قتيل وجريح بعد محاصرتهم من قبل القوات الحكومية في إحدى الساحات التي أقام فيها متظاهرون (سنة) اعتصاما مناهضا لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي
إذ أفادت تقارير طبية وأفلام فيديو تم تسريبها لاحقا أن عددا من الضحايا تم إعدامهم رميا بالرصاص على أيدي قوات الجيش، من بينهم عدد من الجرحى والقاصرين، فيما تعرض آخرون للدهس بسيارات ومدرعات الجيش
وأضاف المعتصمون السنة مطالب أخرى فيما بعد، أهمها محاكمة قتلة سبعة من المتظاهرين في الفلوجة، ومحاكمة من قاموا بتفجير عبوتين ناسفتين في لحظة خروج المصلين السنة من مسجد (سارية) بمحافظة ديالى أدى لمقتل وجرح العشرات منهم
وأيضا وضع حد لسلسلة الاغتيالات التي طالت العشرات من أئمة وخطباء المساجد السنية والمصلين
وبعد عجز اللجان الحكومية والبرلمانية التي تم تشكيلها لحلحلة الأزمة، وإخفاق الوفود في التهدئة، بدأت حكومة المالكي تنتهج سياسة التصعيد من خلال تهديد معتصمي الأنبار باقتحام ساحات اعتصامهم على غرار ما فعلت في الحويجة، في حال عدم امتثالهم لأوامر الحكومة بتفكيك خيم الاعتصام والتوقف عن أداء صلاة الجمعة الموحدة (التي دأبت اللجان التنسيقية على تسميتها باسم موحد يتغير أسبوعيا يعتمد بكافة المحافظات التي يتواجد فيها السنة)
عوامل الاقتتال
يمكن القول إن كل تلك الأحداث كانت العوامل غير المباشرة التي أججت الأوضاع ومهدت الطريق نحو الاقتتال، أما العوامل المباشرة فهي أبرز حدثين مهمين شكّلا انعطافة كبيرة في مسار الأحداث، أولهما اغتيال قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي العميد الركن محمد الكروي في الأنبار على أيدي مسلحين مجهولين، على خلفية اتهامه من قبل شخصيات سنية بالمسؤولية عن تنفيذ (مجزرة الحويجة)، وهذا الحدث استفز حكومة المالكي
والحدث الثاني قيام القوات الحكومية باعتقال عضو مجلس النواب العراقي أحمد سليمان العلواني، الذي يعد من أبرز الشخصيات السنية الداعمة والمحرّكة للاعتصامات، فضلا عن مقتل شقيقه خلال مداهمة منزلهما في مدينة الرمادي (مركز محافظة الأنبار)
واعتبر أهل السنة اعتقاله إهانة عظمى لهم، سيما وأن بعض المواقع الالكترونية نشرت صورا له بعد الاعتقال وقد قام أحد العناصر الأمنية بإجباره على إحناء رأسه
الحكومة العراقية التي اتهمت تنظيم (داعش) باغتيال العميد الكروي في الأنبار، أعلنت بدء حملة عسكرية واسعة النطاق ضد التنظيم في صحراء الأنبار، حملت اسم (عملية ثأر الشهيد محمد الكروي)، إلا أن مسار الجيش سرعان ما تحول نحو مدينتي الرمادي والفلوجة، تاركا الصحراء وراء ظهره، ليبدأ بتفكيك وإحراق خيم الاعتصام بدعوى وجود عناصر من داعش في ساحات الاعتصام
خالد العلواني، عضو مجلس النواب العراقي عن ائتلاف (متحدون) وأحد أقرباء النائب المعتقل أحمد العلواني، أفاد في تصريح لـ(مكة) أن "أهالي الأنبار اعتقدوا في بادئ الأمر أن العملية العسكرية التي ينفذها الجيش ستقتصر على مهاجمة أوكار داعش والتنظيمات الإرهابية في الصحراء ووادي حوران، إلا أن الجميع تفاجؤوا بمهاجمة الجيش خيم المعتصمين، ومن ثم قيامه باعتقال النائب أحمد العلواني وقتل شقيقه
وبررت الحكومة اعتقاله وقتل شقيقه بحملهم السلاح ومقاومة القوات التي جاءت لاعتقالهم، في حين أن تلك الاتهامات قامت حكومة المالكي بفبركتها"، على حد قوله
وأضاف العلواني "كما أن من أسباب اصطدام المعتصمين مع الحكومة قيام الأخيرة بإحراق خيم الاعتصام والمجيء بشرطة من خارج الأنبار إلى المحافظة، بعد أن نقلت كافة أفراد شرطة الأنبار والذين هم أبناء هذه المحافظة إلى مدن وأماكن أخرى، ما دفع بعضهم إلى التمرد أيضا على الحكومة والانضمام إلى ثوار العشائر"
داعش والجيش
وطيلة العام الذي شهدت فيه الأنبار اعتصاما مناهضا للحكومة، لم يكن لتنظيم داعش أي وجود يذكر في مدينتي الفلوجة والرمادي، بحسب ما يؤكده أهالي المدينتين
إذ كان وجوده لا يتعدى حدود صحراء الأنبار، ولكن، بعد ساعات من اشتعال فتيل الحرب، دخل عدد من السيارات ذات الدفع الرباعي مدينة الرمادي، ترجّل منها مسلحون يرتدون الزي الباكستاني، يقودهم شخص هارب من أحد السجون يدعى شاكر وهيب الفلوجي ويكنى بأبي وهيب
وطلبوا من أبناء العشائر أن يسمحوا لهم بأن يشاركوهم في قتالهم ضد القوات الحكومية التي تحاصر مدنهم، إلا أن معظم شيوخ ووجهاء العشائر رفضوا ذلك، ربما لعدم حاجتهم إليهم، أو لأنهم كانت لديهم حسابات أخرى جعلتهم يتوجسون خيفة من فسح المجال لهذا الفصيل المسلح للقتال إلى جانبهم، سيما وأن ما فعله تنظيم داعش في سوريا لم يكن ببعيد، فالقتال بين داعش والفصائل السورية الأخرى، وعزوف النظام السوري عن قصف مقرات داعش، أثار تساؤلات خطيرة عن حقيقة ارتباطات هذا التنظيم بالمخابرات الإيرانية
ولكن بحسب المراقبين، فإن بعض مقاطع الفيديو (الاستفزازية) التي يبثها داعش على مواقع الانترنت بين الحين والآخر والتي تتضمن استعراضات عسكرية لهذا التنظيم، قدمت للحكومة العراقية هدية لاتقدر بثمن، إذ وفرت لها الذريعة للبدء بعملية عسكرية كبيرة ضد محافظة الأنبار تحت لافتة (محاربة تنظيم داعش)
ويقول النائب خالد العلواني "إن الحكومة هي السبب وراء تدهور الوضع الأمني في الأنبار، لأنها لم تستجب لمطالب المتظاهرين رغم مرور عام على الاعتصامات، في حين إنها تدرك جيدا أن مطالبهم دستورية وقانونية
فالحكومة بتجاهلها مطالب المعتصمين أرغمتهم على الخيارات الأسوأ بعد إحراقها خيم الاعتصام ، وفي خضم تلك الظروف الساخنة والأحداث المتسارعة تفاجأ الأهالي بدخول مسلحين من تنظيمات إرهابية بسيارات محملة بالأسلحة من جميع منافذ الأنبار إلى داخل المدن"
وأضاف "أن أهل الأنبار اليوم يرفضون دخول الجيش الحكومي إلى مدنهم، وثوار العشائر اليوم وصلوا إلى قناعة بضرورة التصدي للجيش الحكومي
وبعد انتهاء المعركة مع الجيش الحكومي سيباشرون بمقاتلة وملاحقة التنظيمات المسلحة الأخرى"
وأوضح "أن تصرفات الجيش الخاطئة أعطت صورة سيئة عنه أمام الرأي العام العالمي، وقبل أيام كان هناك تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أكد أن الأجهزة الأمنية العراقية تقوم بالاعتداء على النساء والأطفال وانتهاك حقوق الإنسان
وهذا يعني أن هذا الجيش لم يأت للحفاظ على أرواح الناس وكرامتهم، فقد بات يقصف مدن الفلوجة والكرمة ومناطق أخرى كثيرة في الأنبار بشكل عشوائي، فهل هناك جيش في العالم يقصف أبناء بلده ؟"
سياسيا وميدانيا
وفيما يخص المفاوضات الرامية لإنهاء الأزمة والحلول السياسية المطروحة لتكون بديلا عن الحل العسكري، قال العلواني "لا أحد من السياسيين يجرؤ على التفاوض مع الحكومة بالنيابة عن أهالي الأنبار، فلا شك أن هناك ثوارا من أبناء العشائر يمثلون أبناء المحافظة وهم مخولون بالتفاوض، ولكن بالمقابل هناك شخصيات محسوبة على الأنبار تدفع لهم الحكومة مبالغ من المال وتسميهم بشيوخ عشائر، وهؤلاء من تتفاوض معهم الحكومة اليوم
أما بشأن الوضع الميداني، فأبرز ما نلاحظه هو التناقض في التصريحات الحكومية بشأن أحداث الأنبار، فبعد مضي أكثر من شهر على القتال الدائر، نسمع يوميا أن الأجهزة الأمنية الحكومية تقول إنها سيطرت على منطقة الملعب وشارع 60 في الرمادي، وبعد أيام تخرج علينا أجهزة أمنية وتقول سنحرر منطقة الملعب، وكل هذه التصريحات عبارة عن أكاذيب
وإذا سألنا أنفسنا يوما من الرابح ومن الخاسر في هذه المعركة نجد أن الخاسر هو الشعب
فاليوم الحكومة في قتالها في الأنبار تتحجج أمام المجتمع الدولي بذرائع واهية وتصور كل أهالي الأنبار وكأنهم (داعش)"
ويؤكد العلواني "أن أزمة الأنبار لا يمكن إنهاؤها دون حل سياسي، ولكن العجيب في الأمر أن الحكومة ترسل وزيري الدفاع والداخلية للتفاوض مع عشائر الأنبار، ثم نسمع بعد أيام تصريحا لحسن السنيد رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية يؤكد فيه أنه "لا تفاوض مع الثوار إلا بالقوة، ورئيس الوزراء يصف معركة الأنبار بأنها معركة بين أنصار يزيد بن معاوية وأنصار الحسين في مثل هذه الظروف، وأرى أن عمليات الأنبار قد تكون جزءا من دعاية انتخابية"
أصدقاء النهار أعداء الليل
وبعكس ما ذهب إليه النائب خالد العلواني حول ضرورة تغليب الحلول السياسية على العسكرية، يرى فالح الزيادي النائب عن ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الحكومة نوري المالكي، أن حل أزمة الأنبار يجب أن يكون عسكريا لا سياسيا
وأوضح في تصريح لـ(مكة) أن "الجماعات المسلحة في الأنبار تهدف لقتل العراقيين سواء كانوا من أهل الأنبار أو من باقي المحافظات الأخرى
ومن هنا أرى أنه لا يوجد طريق للحل السياسي في هذه القضية، إذ يجب أن يكون الحل عسكريا، من خلال ضرب أوكار الإرهاب وحواضنه
فالإرهاب لم يأت إلى الأنبار من فراغ، أي أنه لا بد من وجود حواضن له في المحافظة"
وأضاف "بعض شيوخ العشائر يؤيدون الجيش العراقي في النهار، ويتسلمون منه الأسلحة، وفي الليل ينقلبون عليه ويدعمون (داعش) ويتسلمون منه الأموال"
وشدد الزيادي على "ضرورة وجود قوة عسكرية تمشي بخط متوازٍ مع الحل السياسي، رغم أن الحل السياسي عديم الجدوى، وعلى الحكومة العراقية أن تقوم بتدمير الإرهاب في الأنبار والقضاء على الحواضن التي تحتضنه هناك"، مطالبا السياسيين وشيوخ العشائر في الأنبار بأن "يتبنوا موقفا واضحا وصريحا فيما يجري بالمحافظة"
ودعا الزيادي إلى "مراعاة الجانب الإنساني للعوائل التي اضطرت للنزوح عن الأنبار بسبب العمليات العسكرية"

