جمعتني صدفة بعدد من المحامين السعوديين الشباب، ودار بيننا نقاش عن العدالة كقيمة سماوية، تُعد من أساسيات مُقَوِّمَاتِ حياة الفرد والمجتمعات والدول، حيث ميزها سبحانه وتعالى بالآية: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). وتطرقنا للعلاقة بين القضاء السعودي، والمحاماة، فأدهشني أن المحامي يظل مهما تقدمت به سنوات خبرته يحتاج للبحث الدائم في مقولات من سبقونا منذ عهد رسولنا عليه الصلاة والسلام وحتى زمن توقف الاجتهاد، فالقياس على مجريات أحكام الماضي ضرورة لحل أي قضية معقدة أو مستحدثة، وقد تكون الحجة جلية في إحداها، ثم يأتي من يحيلها إلى عتمة باستدراك مقولات أخرى مخالفة.عمل مجهد يدعو لتتبع جميع الآراء الفقهية وتمحيصها، مما يحبط عقل المحامي. وفي جامعاتنا لا يوجد كلية متخصصة لتدريس المحاماة!
فيتيه الدارس في بحور مقررات الشريعة، وبعد تخرجه يظل يخشى أن يخرج له الادعاء العام أو المحامي المقابل بما لم يطلِع عليه من المرويات. والسلف بشر مثلنا أعملوا عقولهم واجتهدوا، وربما أنهم قد أصابوا أو أخطؤوا، وتطابق الحالات مع تغير الزمن والمعطيات يعد مستحيلاً. القضاء السعودي في جزء كبير منه لا يزال يخشى من تعبير “القانون الوضعي” وكأن ذلك سيخرجه عن مسار الشريعة، حتى ولو استقى كامل أحكامه منها، وهذا ما يزيد من حيرة المحامي، ويجعل القاضي يحكم بعقوبة، قد يأتي قاض آخر بمضاعفتها، أو بتقليصها وحسب قناعاته الشخصية، وتبعاً لقدرة المحامي الشاطر. قانون المخدرات باعتباره مستجداً على شؤون القضاء تم تدوينه في كتاب واحد يرجع له القضاة والمحامون، فلا تتعدد المرئيات، ولا العقوبات، وهو قانون لم يخرج عن الشرع، حيث استقى أدواته وقوانينه من القرآن والسنة الشريفة، بينما لا أحد يمتلك الجواب الشافي حتى اليوم عن أسباب تأخر تقنين بقية حالات القضاء المختلفة. صدقوني أن تراث القرون الماضية يمكن لجهة علمية حصره وبحثه، وتنقيته ومقارنته بالمستجدات الحياتية الحديثة، وتطوير القوانين وتفصيلها لسد جميع الذرائع والخروقات، وتجميعها في كتاب مرجعي وضعي لا يقبل أن يدخل في تعارض مع العقل، بتعريف كل جرم وتحديد درجاته وشروطه ومبطلاته، وتحديد عقوباته المتدرجة الموحدة وفرضها على القاضي والمحامي. أحكام كثيرة ما زالت تدهشنا بغرابتها وعدم منطقيتها، مثل معاقبة آمن رد من اعتدى عليه في منزله، ومعاقبة صاحب سيارة واقفة في الشارع بسبب تأذي أحدهم بها، وتصاعد الديات بين القبائل لعشرات الملايين، وتباين عقوبة من اعتدى على فرد من ذريته، ووقوف القضاء متأرجحاً أمام العضل والتعليق والنفقة والهجر والخلع، وحرمان النساء من أطفالهن أو إرثهن، وتفريق عدم تكافؤ النسب، وغيرها من القضايا، التي يطول بقاؤها في المحاكم لسنوات. القانون الوضعي المحدد يضبط المسار للقاضي، ويُسرع الحُكم، ولا يخلق في محاكمنا محاميا محبطا.
المُحامي المُحبَط
شاهر النهاري2 دقائق للقراءة

حجم الخط
