كتب أحد الكتاب مقالا غاضبا ينتقد فيه بشدة كل من يكتب عن ماضي مكة والمدينة حبا وتراثا وآثارا، كأنه يقصد أن الماضي قد اندثر فلا داعي للكتابة عنه.
أقول: إن هذه الأمة ونحن جزء منها هي أمة ماضيها هو حاضرها ومستقبلها، وإنها ليست كبقية الأمم تنفصل عن الماضي، بل ماضيها مرتبط بعضه ببعض ارتباطا أزليا، وهذا يعني أن الكتابة عن مكة والمدينة هو الوفاء للعلماء والأدباء والشعراء والقراء والجيران والأحباب، لا يتعارض مع الجديد والتغير، بل هو تأكيد للحديث والتقدم اللذين تشهدهما مدن هذه البلاد كجدة القديمة والرياض الجنادرية والظهران المزدهرة، نعم هذا هو حديث كل كاتب غيور عن المدينتين المقدستين وليس عن باريس وبرلين. أوليس ماضينا هو القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ هل نستطيع أن نتخلى عن هذه الثوابت في وقت من الأوقات وأيضا ما حصل فيها من الاهتمام والتوسعة والرقي؟
ومنذ فجر الإسلام كان العلماء والشعراء والمفكرون والمستشرقون أيضا أمثال فيليب وغيره عبر رحلاتهم يكتبون عن هاتين المدينتين ويعيدون كتاباتهم كرات وكرات، وذلك لمكانتهما الدينية والثقافية والتاريخية والروحية عند المسلمين جميعا، ويقرضون أشعارهم بشموخ كبير عن البلد الأمين والبيت العتيق واقرؤوا - إن شئتم - قصائد بعضهم، ومن هؤلاء الشاعر المكي الكبير حسين عرب، رحمه الله، حيث يقول عن أم القرى:
أم القرى يا جنة الـيوم والغـد
ويا زينة الماضي التليد المجدد
ترابك أندى من فتيت معطر
وصخرك أجدى من كريم الزمـرد
أعز بلاد الله في الأرض موطنا
ومولد خير الأنبيـاء محمــد
ولأن الشيء بالشيء يذكر فهذه أيضا بعض أبيات الشعر للشاعر المعروف اللواء زين العابدين عن مكة والمدينة خاصة وبعض مدن المملكة عامة:
كيف (أم القرى) يجلجلها النور
فتغفو على السلام هنية
كيف في جرول هدوء الليالي
كيف أجياد والمصافي النقية
كيف أحد كيف العقيق وبدر
حيث شع الهدى على البشرية
كيف شبرا التي نشقنا شذاها
كيف حال الهدا وكيف الحوية
كيف وادي الحنيفة حين يروي
كيف أم الحمام والدرعية
وبعد فلماذا هذا الخوف من الماضي، الماضي هو مدرسة نتعلم منها أشياء جميلة بدهية لا تنسى أبدا مع الأيام.
وقفة:
لسنا نغني للماضي فحسب، ولكننا نجمع بين الماضي والحاضر، لأنه لا حاضر لمن لا ماضي له.
يحلو الحديث عن مكة والمدينة
عبدالغفور عبدالكريم عبيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
