الإجازة فرصة مواتية للترويح عن النفوس، وسبب لإدخال الأنس عليها، وتجديد النشاط، ووقت موات لاستثمار مدة زمنية في أمور مفيدة ربما لا تتاح للمرء في أيام العمل والدراسة.
وفي الإجازة يفرغ الشباب طاقاتهم ويتنفسون الصعداء بعد جهد استمر لبضعة أشهر في الدراسة، فبحلول يوم غد تغلق جميع المدارس والجامعات أبوابها، وقبل ذلك بأسبوع أغلقت مدارس المرحلة الابتدائية ورياض الأطفال أبوابها، ليتمتع الجميع ببضعة أيام، يتغير فيها النمط الحياتي اليومي، ويتخلصون من الارتباط الروتيني، على طريقة روحوا عن أنفسكم، وساعة وساعة، وكنا إذا خلونا سلونا.
لكن المؤسف أنها تتحول إلى روتين ممل، وعبء ثقيل إن لم نُعمل فيها عقولنا ونستثمرها بشكل جيد من أجل إثراء أرواحنا وأنفسنا بما ينفعها، وإن لم نفكر بالطريقة المثلى لقضائها، وبما يحقق الهدف منها، فإن أياما من العيش على سهر بلا عائد وعبث بلا طائل يعني مللا عجيبا، وسآمة قاتلة، وفراغا مقيتا، فيخيم على الأسر الضيق وتغشاهم الكآبة، فتتحول الإجازة لنوع من الأمراض النفسية وتصبح مشكلة اجتماعية معضلة.
وقد سبق الحديث في مقالات عدة عن ضرورة استغلال الإجازات مهما كانت محدوديتها؛ وقصر مدتها، لسبب بسيط وهو أن بلادنا تملك المقومات التي تجعل المرء يقضي إجازته على أرضها وفي أرجائها.
والمشهد يفترض فيه كثافة للفعاليات وتنوعا في الأنشطة وتعددا في البرامج، بحيث يكون هناك إرضاء للذائقة وإشباعا للميول، وهذا التحدي الخطير يبدو - مع بالغ الأسف - أنه لم يتم أخذه بعين الاعتبار؛ فما زالت هيئة السياحة والتراث الوطني تمارس نشر الفقاعات الإعلامية التي لا نلمسها واقعيا، فيوم أمس الأول نشرت صحيفة معنية بالجانب الاقتصادي تصريحا لها يقول: الشراكة مع المناطق أسهمت في إنجازات لم تكن لتتحقق، وبودي أن تفصح عن هذه الإنجازات، فنحن على أرض الواقع نرى فعاليات تتكرر بلا جديد، وأسعارا ملتهبة للفنادق وما في حكمها، وبالتالي نعيش وضعا سياحيا لا يرضي أحدا، في حين أن الهيئة ترى أنها حققت المستحيلات من الإنجازات!
وقد تلقيت منشورا يحوي العروض والفعاليات السياحية في إجازة منتصف هذا العام، صادر عن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، ولا أكتمكم سرا فقد استبشرت إلى درجة الفرح، وقلت في نفسي لقد تحركت الهيئة أخيرا وها هي تقدم العروض والفعاليات، لكنني سرعان ما أصبت بخيبة أمل؛ فقد كانت عروضا لا ترضي الطموحات ولا تحقق التطلعات؛ فأسعار الفنادق في مستوى لا يتفق مع إمكانيات الأسر ذات الدخل المحدود، والفعاليات يبدو أنها مصابة بالبرود الشديد اتساقا مع برودة الأجواء.
إن من المفترض أن تتسم الأيام المقبلة بفعاليات تناسب الوضع العام من تكثيف للتوعية، وبيان الأوضاع الحالية الاقتصادية والسياسية وبخاصة بعد صدور الميزانية وتنفيذ أحكام الشرع المطهر في 47 إرهابيا، فكان يفترض إقامة فعاليات شبابية تثقيفية وتوعوية بأسلوب حديث، وإقامة المسابقات والبرامج المسلية الهادفة والجاذبة في ذات الوقت ليتم احتواء الشباب وتحصينهم ضد الفكر الضال والرد على المشككين.
والكل يتهرب من المسؤولية؛ فالأمانات تقذف بها نحو الهيئة والهيئة تعيدها للجهات، وكانت بعض الغرف التجارية والجمعيات الخيرية تجتهد في إقامة مهرجانات وتوقفت، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف، يتجرع المرارة ويتكبد الحسرة!
والمرجو هو إيكال أمر إقامة المهرجانات واستغلال المناسبات لجهة محددة، وحبذا إيكالها لشركات متخصصة، تقيم الفعالية وتغطي تكاليفها من الدعاية والإعلان بحيث تظهر الفعالية بحلة قشيبة تجذب المتلقي وتنال استحسانه.
ومناشدة بتفعيل دور المسؤولية الاجتماعية في الشركات الكبرى والبنوك، بحيث ينعكس ذلك على المجتمع، ومن أسف أن يترك الحبل على الغارب، فمن شاء شارك ومن لم يرد أحجم، في ظل غياب الرقابة فضلا عن المحاسبة.
إن الواقع يؤكد الفراغ الكبير الذي يعيشه شبابنا وفتياتنا، وهو ما أودى بالبعض للانجراف وراء كل ناعق، واتباع تيارات عدة ومشارب مختلفة ربما كان البعض منها خطيرا ومؤسفا، من أسباب ذلك هو عدم وجود ما يشغلهم ويجعلهم يقضون أوقاتهم في النافع المفيد.
ونداء لهيئة السياحة والتراث الوطني والأمانات والغرف التجارية وغيرها من الجهات أن يقوموا بواجبهم تجاه مجتمعهم، وبالشكل الذي يحقق التطلعات ويرضي الطموحات، فهل من استجابة عاجلة؟!
إجازة منتصف العام.. ضياع على الدوام!
عبدالغني القش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
