تراكمات كثيرة سأتطرق لبعضها في هذه المقالة، التي تجيء بعد إعلان الميزانية، وبشارتها بزيادة موارد الدخل غير النفطية إلى 27%، وتقبل المواطنين لها ببشارتها وعجزها وقراراتها بناء على وعي المجتمع، وقراءاته الاقتصادية للظروف المحيطة، ومسارعة الكثير من المواطنين إلى تبادل الرسائل الإيجابية، وتسجيل المواقف الشعرية والنثرية والتثقيفية والإرشادية بما يؤيد تقبل الأمر، والوقوف مع حكومتنا جنبا إلى جنب.
المضحك في الأمر أن أحد الأثرياء المرفهين جدا، راح ضحية روح النكتة و»الطقطقة» على أسعار الوقود بمداعبات لطيفة لا تحمل مضمونا يتجاوز الضحك، وضحية بعض مقاطع (البطر) التي سأتحدث عنها بعد قليل، فطاح (ما حد سمى عليه) على أم رأسه وهو يعظ بل (يعضُّ) المجتمع «كفاية دلع»، فكان صوت (الطيحة) مدويا لفت إليه الغضب الاجتماعي، ونال ما يستحقه دون منافس أو حسود، وصار مائدة (الطقطقة) والسخرية اللاذعة، والمحاسبة المتأنية.
وعلى كل حال سأحاول أن أكون المواطن الوحيد حسن الظن بهذا الرجل، وأتأول أنه لم يكن يقصد (الشعب الدلوع) لأنه في الأصل غائب عن الشعب، فكل جلسائه أثرياء البلد وكبار رجال الأعمال، ولأنه ربما سمع تذمراتهم من الميزانية وبعض الزيادات الطفيفة في الوقود وشرائح الكهرباء والماء، ظن أنهم المواطنون الوحيدون في البلاد، ألا تعذرونه بجهله عن وجود مواطنين آخرين؟!
وإن لم تقبلوا تأويلي، فهل تظنون أنه بنى حكم (الدلع) حين شاهد المقطع الهياطي الشهير «الصابون ممنوع/ غسّل بدهن العود» وظن أنهم الشعب كله؟ ولا يدري أن أغلبنا لا يستطيعون اقتناء بعض أنواع العود الفاخرة وإنما «نمشّي الحال» بالمخفف والمعدل من أنواعه الأخرى، وفجأة رأى دهن (الدلوع) العود الغالي يُصب بسخاء لإزالة دهون وليمة عشاء، هذا إذا كان حقا دهن العود الحقيقي، ولا أستبعد أن ينافس «الورد الطائفي» الكولونيا والعود!!
ما إن تناسى المجتمع «إهانة دهن العود» حتى ثارت إهانة جديدة هذه المرة كانت من نصيب (العسل)، وأستبعد مشاهدة (الدلوع) لها، وإلا لشعر بالبؤس وسكت، حيث تفتقت ذهنية السفه عن تكريم جديد، حين يسكب أحدهم كميات من العسل على أيدي بعض الضيوف تكريما لمواقفهم، وهذا المقطع لم يترك لحسن الظن موطأ تبرير، فلا يخفى بخل أولئك القوم وهم يسكبون عسلا ربما سعر الكيلو لا يتجاوز 100 ريال، تفاديا لتكريم أبنائهم بهدايا رمزية (دروع مثلا) أو أجهزة جوال أو بشوت، وعلى هذه الثقافة الجديدة سيصبح التكريم أقل كلفة، فإن نجح ابنك مثلا، ادهن يده بأفضل (إدام) يحبه (فول/ حمص/ زيت زيتون/ لبنة/ كمونية/ عدس) أما البنات فلن يحبذن تكريما بغير (الشوكولاته) السائلة، وسيكون جميلا حين تضيف تطويرا لم ينتبه له أصحاب (العسل) وتجعل المكرّم (يلعق يده) إضفاء للشرعية.
حادثة العود والسمن والعسل لا تعنيني بذاتها، بل ما وراءها من حوادث كثيرة بدأت تشكّل ظاهرة مخيفة، يتوجس الكثيرون من أن تكون سببا في غضب إلهي علينا، وبطرا يزيل النعم التي نرفل فيها، فلو تأملنا الكثير من الصور عن مآدبنا وتلك النعم المنثورة على جنباتها، لوجدنا أننا نكرس هذه المفاهيم المغلوطة باسم «الكرم»، حتى حصرنا الكرم في مظاهر محدودة لا يخرج عنها، وغيّبنا أنواعه الأخرى، ومهما كان الإنسان حين لا يطبق تلك المظاهر سيُحكم عليه بالبخل، وقد تحدث الدكتور غازي القصيبي يرحمه الله حول الضرورة التي اخترع من أجلها العربي القديم الكرم بصورته الإطعامية، فقد كان العرب كثيري التنقل، ولا سبيل لعابر أن يذوق الطعام إلا بالتضيّف على الساكنين في طريقه.
انحسر معنى الكرم اليوم في المأدبة التي يقيمها الإنسان، ومدى تفننه وإبداعه في عرض هذه المأدبة وتزيينها، فعدد الحيوانات المذبوحة على المائدة وأحجامها صار المعيار الحقيقي للكرم الذي يتبارى فيه بعض الناس، وهذه المباراة المحمومة لم تأتِ من فراغ، بل تجيء من خلفية اجتماعية ونفسية مأزومة، فالشعور بالنقص هو ما يدفع الإنسان غالبا إلى المبالغة في تصرفاته للفت الانتباه، والإحساس بالقيمة الاجتماعية، فعصرنا عصر العلم والأمن والنفع الاجتماعي، ومن تخذله قدراته في هذا المضمار يضطر بفعل الدوافع النفسية إلى اختلاق ما يتوخى الحصول من خلاله على قيمة اجتماعية حتى لو كانت مزورة، والنفعية والمجاملة ونفاق المحيطين تزيد هذا المأزوم مغالاة في تصرفاته وأفعاله، في غياب حقيقي لمفهوم الإنكار على السذج المسرفين، وهذا ما لمسناه في المقاطع السالفة.
أخي البطرجي أو البطرانجي، حركة النماء والوعي الاجتماعي تجاوزت نظرتك القاصرة وتأويلاتك العمياء لدلع المجتمع ورفاهه، وإن رمت المدح الحقيقي فسخّر أفكارك وفتقها عن كرم سامٍ ينفع المجتمع ويناسب العصر، فقد تجاوزنا مفاهيمك السطحية عن معنى الكرم والدلع في زمن (النعمة).
البطرجي!!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
