من أين أبدأ رص كلمات مقال قضيته أشهد أنها لم تدع لي تفكيرا طويلا، لأحدد بتركيز من أين أبدأ، وما هي عادتي، إذْ إنني أبدأ عادة بسرد قضايا معظم مقالاتي سريعا وبدون مراجعة إملائية أو نحوية، بل أجد سطورها تنثال كخرير الماء الرقراق، فأشعر ساعتها بأني قد أنهيت مقالاتي دون تعب، إلا في قضية المقال الذي هو الآن أمام ناظريكم، فمشهد «مجموعة من الناس وقد وقفوا أمام غسالة يد، وهم يغسلون أيديهم بدهن العود الملكي، ليصيح صايحهم، الصابون ممنوع»!
وهي مرة واحدة تكفي لمشاهدته لتصيبني والغيورين بصدمة، جعلتني أتساءل: هل أبدأ في الكتابة عن قضية المقال، من مشهد ساخن تعيشه «منطقة الشرق الأوسط» من حروب طاحنة وفتن متلاطمة وأعداء متربصين وهؤلاء الغاسلون أيديهم بدهن العود الملكي ساهون غائبون عنها؟! أم أبدأ من مشهد الفقراء واللاجئين وضحايا الحروب من أهلنا في الشام والعراق الذين افترشوا الأرض في المدن الأوروبية ومشردون هنا وهناك؟
وهؤلاء الغاسلون أيديهم بدهن العود الملكي لا يعرفون عنهم شيئا؟! أم أبدأ من ذلك المرض الاجتماعي (حب المظاهر) والمصاب به كثير من أهل مجتمعنا المصابين بداء العظمة هواة (الزفات الملكية، والكوشات الأسطورية، وحفلات الزواجات المهرجانية، والمفطحات التي يرمى نصفها في المكبات، وحفلات الأغاني والمواكب العبثية حتى يدنو الفجر، وأبخرة العود التي تحمل فوق عجلات، والصحون التي تتربع فوقها جمال بأكملها، والفساتين التي تجلب من الشرق والغرب بمئات آلاف الريالات لتلبس لساعات ثم ترمى)؟!
أم أبدأ من حيث تصدر الحمقى مجالسنا الاجتماعية ليصنعوا برتوكولات مناسباتنا الاجتماعية؟! أم أبدأ من حيث غياب «العقلاء» في ضبط ما يحدث في مناسباتنا الاجتماعية وتركوا «للنساء» حرية قيادتها بدون تعقل وحكمة وفكر، لتظهر عندنا «طقوس» ما أنزل الله بها من سلطان في «الزواجات» ولم تسلم منها مناسبات «التعزية» التي تحولت لمفاخر لا علاقة بينها وبين الكرم والقيم والشيم! لقد تذكرت بيتين لست أعلم قائلها:
قل للذي تاه في دنياه مفتخرا ضاع افتخارك بين الماء والطين
إذا تفقدت في الأجداث معتبرا هناك تنظر تيجان السلاطين
إن ذلك المشهد وما حدث فيه، لا يمكن تسميته بغير أنه «بطر النعمة، وتبذير ليس له داع» وهو من أعظم أسباب الهلاك والدمار وتبدل النعم وزوالها عن كثير من دول وشعوب لم ترع الله في المحافظة عليها، وقد حذر الله تعالى عباده من هذا المصير المشابه لمصائر أمم بطرت ولم تشكر الله وتحمده على ما هي فيه الآن، ومن يسأل التاريخ سيجيبه بأن جيلا من الأجداد والآباء أكلوا أوراق الشجر وربطوا على بطونهم الحجر، وباتوا ليالي جوعى لأن بيوتهم لم تكن تحوي ما يسد رمق جوعهم، ويروي عطشهم.
ربما أن الغاسلين أيديهم بدهن العود الملكي لم يعيشوا تلك الفترة، أو لا يعلمون بمعاناة من سبقوهم، وربما أنهم لم يمروا بآية في كتاب الله عز من قائل «وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ»، ليتعظوا ويأخذوا العبرة بأن من «فرّط وأسرف» في أنعم الله، ولو كان مقتدرا غنيا فهو محاسب «ثم لتسألن يومئذ عن النعيم». وكما قال سبحانه «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ..» إلى قوله تعالى «فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ». هؤلاء الغاسلون أيديهم بدهن العود الملكي ليتهم علموا ببيوت أنهكها المرض والفقر، وأفواه وبطون أتعبها الجوع قد «تدعو» عليهم وهم يرون ذلك العبث بأنعم الله ويرون حالهم. «اللهم قد بلغت اللهم فاشهد».