على مدى السنوات العشر الأخيرة كانت الحياة السياسية في ألمانيا رتيبة نسبيا هيمنت عليها أنجيلا ميركل، واتفقت آراء الأحزاب الرئيسة في القضايا الكبرى من مساعي الإنقاذ لدول منطقة اليورو وأزمة اللاجئين لسياسة التخلص من محطات الطاقة النووية تدريجيا.
لكن هذا الوضع قد يختلف في 2016 عندما تجري 5 ولايات من بين الولايات الـ16 انتخابات، استعدادا للانتخابات الاتحادية في 2017.
فميركل لا تبدو أضعف من أي وقت مضى بسبب الترحيب باستقبال مئات الآلاف من اللاجئين فحسب، بل إن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للمهاجرين أدخل عنصر مفاجأة جديدا للساحة السياسية.
إذا أضفنا إلى ذلك الانقسام غير المسبوق في صفوف الناخبين، وهو ما يعني أن 6 أحزاب لديها ما يبرر السعي لدخول أغلب برلمانات الولايات، فإن الحياة السياسية الهادئة التي تشهد في العادة توافقا في الآراء سيصبح من الصعب التنبؤ بتطوراتها وربما أكثر مدعاة للانقسام في الآراء مما كانت عليه لفترة طويلة.
والخطر الرئيس هو خطر شن متطرفين إسلاميين هجوما على التراب الألماني.
إذ يقول مسؤولون في برلين إن مثل هذا الهجوم ستكون فيه نهاية ميركل إذا نجح في تنفيذه بعض من دخلوا أوروبا وسط طوفان المهاجرين مثلما كان حال اثنين من المشاركين في الهجمات التي وقعت في باريس في 13 نوفمبر.
وحتى إذا نجت ألمانيا من مثل هذا الهجوم فإن أزمة اللاجئين ستظل تهمين على النقاش السياسي لتحدث استقطابا بين الناخبين وتشجع خصوم ميركل باليمين واليسار.
وحتى الآن كانت أكثر الانتقادات ضررا تلك التي تلقتها من الحزب المحافظ الشقيق حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي.
وقال مسؤول حكومي كبير "إذا لم نشهد نجاحا في الحد من طوفان اللاجئين فقد تحدث هزة سياسية على مستوى القاعدة الشعبية".
وأضاف "إذا لم تحقق ميركل إنجازات فمن الممكن أن ترى حزب البديل من أجل ألمانيا يقترب من 20% من الأصوات بالانتخابات".
حزب البديل في الوقت الحالي تتراوح نسبة شعبية حزب البديل في استطلاعات الرأي بين 8 و10%، أي ما يقرب من مثلي النسبة التي فاز بها الحزب في انتخابات 2013 وهي 4.
7%.
ولم يستطع الحزب في تلك الانتخابات الحصول على نسبة 5% اللازمة لدخول البوندستاج (البرلمان الألماني) بفارق بسيط.
وقد لا يبدو في ذلك ضرر نسبيا إذا ما قورن بالأحزاب المشابهة الأخرى في مختلف أنحاء أوروبا مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب الحرية بالنمسا، أو حزب الشعب الدنماركي.
غير أن صعود حزب البديل يبدو أكثر أهمية عند الأخذ في الاعتبار حدوثه وسط خلافات داخلية ومشاكل مالية بالحزب الذي كان من الممكن أن يسحقه.
وفي الأشهر الستة الأخيرة صمد الحزب أمام رحيل مؤسسه وافتراءات محرجة من جانب واحد من ساسته البارزين عن العادات التناسلية عند الأفارقة وقانون لتمويل الأحزاب من الحكومة يهدد بتجريدها مما لديها من سيولة.
وردا على القانون الجديد طلب حزب البديل من أنصاره تبرعات وجمع ما يقرب من مليوني يورو خلال 3 أسابيع فحسب فيما يمثل دليلا على قدرته على حشد أنصاره.
وسيتضح مدى قوة حزب البديل في 3 انتخابات على مستوى الولايات خلال مارس المقبل.
فالحزب بسبيله للفوز بنسبة 7% بولايتي بادن فورتمبرج وراينلاند بلاتينيت الغربيتين، ومثلي هذا المستوى تقريبا بولاية ساكسونيا - في الشرق.
أكثر تمزقا ويتضح الآن أن ثمة 3 أحزاب مشروعة تمثل يمين الوسط في ألمانيا منها كتلة المحافظين التي تتزعمها ميركل في ضوء صعود حزب البديل وعودة حزب الديمقراطيين الأحرار المؤيد للسياسات التي تخدم قطاع الأعمال، وكان صانعا للملوك في الساحة السياسية الألمانية على مدى عشرات السنين قبل انهياره في الانتخابات الاتحادية الأخيرة.
أضف إلى ذلك الأحزاب الرئيسة الثلاثة في اليسار، الحزب الديمقراطي الاشتراكي والخضر وحزب لينكه الذي يمثل اليسار المتشدد وستبدو الساحة السياسة الألمانية أكثر تمزقا من أي وقت مضى منذ توحيد دولتي ألمانيا عام 1990.
ومن المحتمل أن تصبح ميركل الخاسر الأكبر على الساحة السياسية الجديدة في ألمانيا إذا عجزت عن وقف طوفان اللاجئين في الأشهر المقبلة.
أما إذا نجحت فيبدو أن شريكها الرئيس في الانتخابات في برلين وهو الحزب الديمقراطي الاشتراكي سيمنى بأكبر خسارة.
وسيزيد صعود حزب البديل وعودة الحزب الديمقراطي الحر من صعوبة تشكيل الحزب الديمقراطي الاشتراكي أغلبيات تميل لليسار على مستوى الولايات وعلى المستوى الاتحادي مما يضعف مركزه في المستقبل المنظور.
وهذا الضعف قد يجعل الحزب الديمقراطي الاشتراكي شريكا لميركل أكثر ميلا للمواجهات، ويجعل من الصعب التنبؤ بمواقفه مع اقتراب الانتخابات الاتحادية المقبلة في 2017.
خريطة ألمانيا السياسية في 2016 1 ـ 5 ولايات تشهد انتخابات محلية.
2 ـ 6 أحزاب تتنافس على البرلمان الاتحادي.
3 ـ صعود أحزاب اليمين.
4 ـ عمليات إرهابية محتملة.
5 ـ تمزق بأحزاب اليمين الوسط المحافظ.
6 ـ انشقاقات محتملة في التحالفات السياسية.