انطلاقا من مبدأ مواجهة الشخص بتناقضاته، والتي هي عادة أفسدت كثيرا من أطروحات المشاريع المدنية لدينا، أحببت أن أشارككم نقاشي مع رفيقي في جلسة سمر ناوشته فيها وشاكسته كما هي عادتي التي أحبها.
فبعد أن خفض أبوراكان صوت التلفاز بعدما تمايل في مكانه متلذذا بأسطورة غنائية من أساطير صوت الأرض -رحمه الله- لقرابة الثماني دقائق، اقتنصت الفرصة كما رأيتها مناسبة لأثير أمراً طالما حيرني، وهو عدم قدرتنا على تنظيم محفل غنائي طربي لأي فنان سعودي داخل الوطن، وهم الذين تتسابق على استضافتهم أغلب الدول السياحية لينظموا لهم حفلاتٍ غنائية لديهم، ذلك لأنهم يملكون الحس الطربي اللازم لإشباع ذائقة المستمع. وأخذتني الذكرى لأبها البهية في عهد الفيصل وجدة غير حينما كانت تطرب في فترة من الفترات بأصوات طلال مداح -رحمه الله- ومحمد عبده وعبادي الجوهر وآخرين.
وكما عودني صديقي دائما فقد مارس الممانعة كعادة باقتناع أو بدونه! فما لبثت أن طرحت المسألة وعرف فحوى الأمر حتى اتزن في جلسته التي قد ترك صوت الأرض معالمه عليها ثم أخفى ابتسامته التي كانت تزين ثناياه وقطّب حاجبيه ليضع سبابته أمام عيني ويردد: معاذ الله أن أكون من المطالبين بذلك. فأردت أن أستعيد لطف الجلسة فأخذت الحديث إلى منحنى كوميدي فشرحت له أننا في كل عام نقوم بكوميديا عندما يخرج محمد عبده وعبادي الجوهر ومثلهم من الإيقونات الطربية السعودية إلى بلدٍ آخر مجاور، ثم نلحق بهم إلى ذات المكان لنحضر لهم حفلا طربيا غنائيا ثم نعود إلى ديارنا ويعودون هم.
كأنما هي كوميديا نمارسها... ثم يمارس الكثير ممن خرجوا وطربوا لسماعهم عتبهم علينا في أن نطلب أن نطرب مثلهم دونما السفر للخارج من أجل ذلك. فلما لاحظت أنني فشلت في طرح الموضوع بطريقة تدعو للتبسم، وأيقنت أنني مارست سخرية غير محببة، تلعثمت وأقسمت له أنني أنقل له ما يحدث فعلا ولم أختلق شيئا من عندي.
ولعل ذلك خفف من حدة السخط عليّ. لكن الجلسة لم تعد إلى صفوها كما كانت قبل هذا النقاش للأسف. بالمناسبة، كانت تلك الأغنية التي تسببت في هذا النقاش هي أغنية (هواك عناد) من روائع تعاون صالح الشادي وصوت الأرض طلال مداح، ولو تريثت قليلا حينها لعرفت أن طلال في ذات الأغنية التي طربنا لسماعها أخبرنا عن سبب ممانعة صديقي أبي راكان وكثير ممن حذوا حذوه، فالمسألة أنه يهوى التلذذ بالطرب، ولكنه يعاندني ربما. وكما قال أبو عبدالله -رحمه الله- (أدري هواك عناد)، ففي اعتقادي أن صاحبي لم يكن يمارس معي إلا كوميديا العناد.