لا حاجة لساعة حائط تحسب الزمن، فالوقت الذي نعتبر أنه مر سريعا ما زال جاثما بنكهة واحدة على صدور من فقدوا عضدا اختطفه الإرهاب منهم.
والأيام التي تفر من أعمارنا مختطفة نضرة الشباب ليست ذاتها التي تمر زاحفة فلا تسمن ولا تغني عن نسيان.
11 سنة مرت منذ استشهد الرقيب تركي العتيبي بيد غادرة جحدت دينها ووطنها، وسلمت مجدافها وشراعها لفكر يدس السم في العسل.
«مكة» التقت أسرة الشهيد العتيبي، فحضرت كلمة «السند» في مستهل حديث شقيقته موضي في وصف ما فقدته برحيل أخيها.
تروي الشقيقة أن أخاها ليلة استشهاده طلب الشاي لشربه كما تشربه أمه وبفنجانها، إذ كان في إجازة مرضية وشعر بحاجة القرب لأمه، ثم ذهب ليصلح بين اثنين من زملائه، وفي الطريق وصلهم نداء التعزيز، فعاد مسرعا وارتدى لباسه الرسمي وخرج دون أن يحاول التذرع بحالته الصحية، غير أنه خرج ولم يعد إلا شهيدا محمولا..كل رمضان وكل عيد مر بعدها بات موعدا لمراجعة ملامحه والتفاتة تتصنعها كل أخت من أخواته لتواري دمعة حارقة.

تفاصيل لم تكتمل

حين تشرع «لو» باب الاحتمالات تقول الشقيقة إن اللوم لا يغادر قلبها، فهي لم تعترف لأخيها أنها وراء إبلاغ والدها بشجاره مع صديقه، وأنها رفضت أن تعد له طبق الفاصوليا الذي يحبه، متذرعة بالانشغال «لو تركي عايش أعشيه كل ليلة فاصوليا».
كثيرة الحكايات والتفاصيل التي لم تكتمل، والتي تمنت موضي العتيبي أن تكملها مع سندها الراحل، فهي تندم أنها أخرت الكثير من القصص التي لم تعترف بها، والكثير من المشاعر التي وارتها عنه، «كنت أنام وقد أعطيته ولاية رسمية ينهي بها إجراءات بيتي في الصندوق العقاري، ولم يخذلني يوما، أوكلت له كل ما يشق علي متابعته، وكان كفيلا بإنجاز أي مهمة دون أن يشعرني بأي منة.
في وفاة أمي التهب فقد تركي، فقد شعرت بيتم مضاعف، وأنا بحاجة من يسندني ويقف معي».

الرسم بالكلمات

استعانت موضي العتيبي بالشعر لتواجه حزنها، كما استعانت به قبلا لتعلن فرحتها، فبين ورقة مبتهجة كتبت فيها قصائد زفة أخيها تركي..إلى ورقة مكلومة حملتها نشيج بكائها عليه وهي ترى ابنه محمد يسأل في عزاء والده عن مكانه، مستغربا وجود كل أعمامه وغياب والده.
لتركي العتيبي ثلاثة من الأبناء أكبرهم يحظى بطلة والده وصفاته، لكن الوقت لم يسعفه لحفظ «لزمات» كلام والده.
تقول موضي عن أخيها إنه كان يرفض مناقشة ما لا يعجبه من المواقف، مكتفيا بالحوقلة، وكأنها وحدها جرس إنذار قادر على إعادة الأمور إلى نصابها دون الإطالة في شرحها.
رحل الشهيد وبقيت أشياؤه تذكر به، وتشعر من حولها بغصة الغياب دون أن تهبهم قدرة الاستغناء عنها «احتفظت بأشيائه، لأن شيئا من رائحته ما زال عالقا بها».

لمسة وفاء

لم تنس وزارة الداخلية أسر الشهداء، ولم تنقطع عن مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
في منزل موضي العتيبي وجدنا لوحة مكبرة لبرقية تعزية من الأمير محمد بن نايف لأسرة الشهيد بوفاة والدة الشهيد بعد ست سنوات من استشهاد تركي «أشعر بالفخر بلمسة الأخوة من الأمير محمد بن نايف ووزارة الداخلية وبمشاركتهم لنا أحزاننا»..استدعاء من نوع خاص تمنحنا إياه الأحلام حين تسمح لنا بزيارة من حرمنا منهم الواقع.
تقول موضي: إن في الحلم مساحة من الرحمة، فقد رأيناه أكثر من مرة، وكل مرة نفسر الحلم والتفسير يعطي أرواحنا سكينة بأنه على خير.