يقول الفيلسوف لوك فيري: «إن معادلة (الموت + الوعي بأننا فانون) تشكل مزيجاً يحمل في طياته بذرة كل التساؤلات الفلسفية»
وأتفق تماماً مع هذه الجملة التي رددها هذا الفيلسوف وغيره من الفلاسفة الكبار، والتي ذكرني بها هو مقطع من فيلم اسمه ( source code )
قصة الفيلم أن هناك تكنولوجيا تمكن العلماء من جعل الدماغ يعمل بفاعلية وأن يسترجعوا الذاكرة قصيرة المدى عند الإنسان بالتالي بطريقة ما، ويستطيعون جعل صاحب الدماغ يعيد آخر 8 دقائق من حياته لمرات غير محدودة.
طبعاً كان الهدف هو ملاحظة مجرم ما قد قام بتفجير قطار عن طريق قنبلة، وبالتالي معرفة مكان القنبلة هو الهدف. لن أطيل عليكم في التفاصيل، فالفيلم يتحدث عن علم الأعصاب الحديث وعالم الأكوان المتوازية.. ولكن الأهم أنه يتحدث عن الفلسفة، عن سؤال المعنى.. ما معنى أنك ستعرف بموتك بعد دقيقة مثلاً ؟ ماذا يمثل هذا بالنسبة لك؟ ما الذي تريد فعله في آخر دقيقة؟.. هذه الأسئلة التي كان يسألها الممثل في كل مرة عند موته.. أصابتني بصدمة وعي جعلتني لا أريد التحدث كل اليوم.. يتكلم ستيفن كوفي في كتابه العادات السبع عن شيء قريب من هذا، فيبدأ في فصل (ابدأ والغاية في ذهنك)... بتجربة بصرية تخيلية بأنك ذاهب إلى جنازة وتكتشف أن صاحب الجنازة هو أنت. ويسألك: ماذا تتخيل أن يقول عنك الناس؟ وما هي حقيقتك بينهم؟.. وبعدها يقول كلمة غريبة... يقول: ستجد أنك اتصلت بأحد قيمك الأساسية جداً.. (بنظام الاسترشاد الداخلي).. ما الذي يتغير أو يستيقظ داخلنا عندما نعرف عن (الموت)؟ ما الذي يخيف فيه؟ ما الذي نستفيده من هذه المعرفة؟ هذا الإنسان الذي يمر بهذه التجربة هو نسيج من العلاقات مع آخرين أو مع مجتمع.. هذه القاعدة التي نبدأ منها أو المسلّمة التي ننطلق منها.. عندما يأتي الموت للإنسان أو للآخر يأتي وعي أن هناك تقطعا في نسيج العلاقة بينه وبين الأشخاص، بل في نسيجه مع الكون.. اهتزاز مفاجئ يشعرك بهشاشة نسيج الوجود ككل. في لحظة كهذه تشعر وتتوعى بمدى ارتباطات وعلاقات الحياة، وكيف أنك وأنت تنمو تزداد علاقاتك معها.. وذاتك تنمو داخلها.. هذه العلاقة التبادلية هي ما تعطي للحياة معنى. فالمعنى في (البينياء). أي ما بين الأشياء، وليس فقط في الأشياء ذاتها، فالإنسان لا يشعر بالموت إلا إذا كان مرتبطا مع آخر، وإلا وبرأيي الشخصي. لا يموت. أي أن الإنسان لا يموت وحده أصلاً.. فلا توجد لفظة الموت مع دلالتها على الواقع إلا إذا وجد نسيج من الأشخاص والأفكار والمشاعر والتجارب.. فتاريخي يقول (جيمس.. كارس).. هو: (سلسلة طويلة من المبادلات مع الآخرين).. وبافتراض أن الحياة تتخلق بنظام تطوري من اختياراتنا الشخصية، بمعنى أن كل خيار نختاره هو كون يوازيه كون آخر من عدم اختيارنا أو الخيار الآخر.. هكذا تتشعب الأكوان وتتراكم وتشكل هذا النسيج الذي نتحدث عنه على المستوى الوجودي.إنها إذا شعور بالمسؤولية تجاه هذا الكون. بالمشاركة، بعلاقاتي التي هي خلايا شخصيتي الحية التي يتكون الكون منها، وبالتالي أعرف أنني أموت.. يعني أعرف أنني سأمزق جزءا من هذا النسيج..سآخذه معي..المهم في التساؤل عن الموت هو أنه سؤال مركب و(نسيجي)، لأن بداخله عدة أسئلة: إذا سألت لماذا أموت، يعني أن تسأل لماذا أعيش أصلاً ؟ لماذا هناك حياة أصلاً؟ لماذا لم يكن عدم؟ وإذا علمت أن يوماً ستنطفئ حياتي.. ما الهدف من حياتي؟ من هنا يبدأ طريق تعلّم الموت الذي هو في الحقيقة تعلّم الحياة.. تمسك بهذه الأسئلة التي تهتم بها الفلسفة كثيراً، ولكن لا تخيفنا هذه الكلمة، فالفلسفة نشاط يمارسه كل الناس في كل يوم من حياتهم.. هي ببساطة البحث عن أسئلة من هذا النوع، ومحاولة الإجابة عليها.. وهذه الأسئلة هي التي تشكل المعنى في حياتك.. والإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معنى.
الفلسفة.. تعلم الموت
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
