حِينَ تُوفِّي المفكِّر المصريّ المثير للجَدَل سلامة موسى، كَتَبَ النَّاقد السُّعوديّ عبدالله عبدالجبَّار فيه مقالا نشرتْه صحيفة "البلاد السُّعوديَّة". احتلَّ المقال صدر الصَّفحة، وربَّما خُيِّل إلى مَنْ لمْ يَظْهَرْ على ذلك الفصل محتواه، فسلامة موسى، في مخيِّلة القُرَّاء، كاتِبٌ يساريّ، مُعَاد للعُروبة والإسلام، ولعلَّهم يزيدون أنَّ له سَهْما في الدَّعوة إلى العامِّيَّة، وأنَّه ما كان يستهويه التُّراث العربيّ، وعَدَّه نموذجا للانقطاع إلى الولاة المستبدِّين، وأعرض عن الشَّعب، فجاء أدبه وِفَاقا لذلك المجتمع.
ربَّما ظَنَّ ذلك جمهرةٌ مِنَّا، وربَّما قَوَّى ذلك الظَّنَّ تاريخُ عبدالله عبدالجبَّار في ثقافتنا، وهو تاريخ يبوِّئ الرَّجُلَ موقعا هو فيه داعية مِنْ دُعاة العُروبة، ويستوي في ذلك أن تكون تلك العُروبة قوميَّة أوْ ثقافيَّة، فالمهمّ أنَّ هذا ما نَهْجس به، إذْ نقرأ مقالا كتبه عبدالجبَّار في سلامة موسى، وعسانا افترضْنا ما سيكون عليه، وأنَّ ما سنقرأه إنَّما هو فصْل جديد مِنْ فصول الحملة على سلامة موسى، وفيه تكرار لعبارات يقتضيها المقام عنْ كاتب مُعاد للعُروبة والإسلام، وقدْ يُضِيف أحدنا عبارة "الكاتب الصَّليبيّ"، ورُبَّما تَذَكَّرْنا ما رَدَّدَه غير كاتب أنَّ سلامة موسى "قِبْطِيّ"! لكنَّني قرأتُ في مقال عبدالجبَّار كلاما جديدا، يُبَايِنُ كلَّ ما صُبَّ في أدمغتنا. عَرَفْتُ أيَّ قَدْر مِنَ الإنسانيَّة انطوَى عليه فؤاده، وكلَّما تَقَدَّم بنا المقال تَكَشَّفَتْ لنا جوانب مِنْ تلك الشَّخصيَّة، وعرفْنا فيها مثقَّفا ينضح قلبه عطْفا، وأنَّه يكاد يحبس حياته على البذْل والعطاء، معلِّما وموجِّها، ودودا حَيِّيًّا، مجاهدا بالكلمة والفكر، لمْ تَزِدْه الأيَّام إلَّا صلابة، ولمْ يَسْتَخْذِ لأحدٍ، ولمْ تُزَيِّنْ له الحاجة بيع قلمه رجاء أن يُطْعِم فلذات كبده. علَّمَني عبدالجبَّار ألا أصدِّق كلَّ ما يُقال، وأنَّ الإنسان ينطوي على طبقات مختلفة، وأهمّ ما أمدَّني به أنْ نُحْسِن قراءة التَّاريخ، وأنْ نُنَزِّل الأفكار المتصارعة على حُكْمه، وأنْ نُنَحِّي تلك القراءات الَّتي ما انفكَّتْ تُطِيف بنا في الجامعة والكِتَاب والصَّحيفة، وخُلَاصَتها أنَّ هذا الكاتب ما خَطَّ سَطْرا ولا أثبت رأيا إلَّا ليأتمِر بهذه الأُمَّة ويَكِيد لها.
[email protected]
درس من سلامة موسى
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
