كم مرة وعدت ابنك الصغير بأنك ستسأل له عن التسجيل في النادي، ثم انشغلت ونسيت؟ وكم مرة طلبت منك والدتك أنت تتصلي لحجز موعد لها لعمل تحاليل ثم نسيتي؟ وكم مرة ابتلعتك دوامة العمل والأصدقاء والسفر والطموح، فأصبح بيتك فندقا للمبيت، وأصبحت أنت ضيفا يعامل بالتهذيب كالغريب؟ وكم مرة انشغلت بعملك وصديقاتك والمجاملات والرغبة في الظهور بأفضل شكل، فأصبح البيت مملا وتحولت المسؤوليات نحو من يعيشون معك عائقا وتكليفا؟ وكم مرة جلست بجسدك مع من يحبونك ويهتمون لك وعيناك مزروعتان بنهم في شاشة جوالك تستقصي أخبار هذا وماذا قال ذاك، وتفكر كيف تزيد عدد متابعيك وتكسب الشهرة؟ وكم مرة صورت نفسك وأنت تتنقلين من مكان لآخر، وانشغلت وأشغلت الناس بتوثيق يومياتك، فتحولت متعتك الحقيقية من عيشها إلى متعة تعليق الناس عليها، والأهم عليك أنت.
تحدث المعالج النفسي روبرت والدنجر في خطابه على مسرح تيد بعنوان: (ما الذي يجعل الحياة سعيدة؟) عن نتائج بحث قامت به مجموعة من المختصين في جامعة هارفارد على مدى خمسة وسبعين عاما (يعتبر أطول بحث علمي في التاريخ). حيث قام المختصون باختيار عينات من الأشخاص شديدي الاختلاف والتباين من الناحية الفكرية، والعرقية، والاجتماعية، لمتابعتهم على مدى طويل وملاحظة المتغيرات في حياتهم، وحتى صحتهم ومتوسط أعمارهم وجودة أنماط حياتهم، بهدف اكتشاف مسببات الحياة السعيدة. ليكشف لنا أن العامل المشترك للعينات البشرية التي حققت مستويات أعلى من الحياة السعيدة، هو جودة العلاقات الإنسانية في حياتهم.
نعم فكلما زادت جودة علاقة الإنسان على صعيد الحب، الاهتمام، الخصوصية، الانتماء، الثقة، الاحتواء، الصراحة، شعر بالاكتفاء العاطفي أكثر، بالتالي أعطى أكثر، وتلقى أكثر وشعر بالسعادة أكثر فأكثر.
جرفتنا دوامة الحياة التي تزداد تطلبا، فرحنا نجري ونلهث وراءها. وضعنا كل شيء أولوية على من يحبوننا، لأننا نشعر بأننا ضمنا حبهم ووجودهم. فرحنا نوزع الاهتمام يمينة ويسارا في كل اتجاه، حتى إذا ما وصلنا بيوتنا متأخرين، نفذ الاهتمام وما عاد عندنا شيء لنعطيه. ففي كل مرة تعد زوجتك بوعد وتفضل عليه شيئا آخر فأنت تقول (لا أهتم). وفي كل مرة تنسين فيها طلبا لوالديك فأنت تقولين (لا أهتم). وفي كل مرة يتصل بكما ابنكما ولا تجيبان أو تستعجلانه بحجة الانشغال بعصبية فأنتما تقولان (لا نهتم). وما الحب إلا اهتمام. وما عدم الاهتمام إلا دلالة على عدم الحب. فتعلم أن تهتم، قبل أن يجيء يوم ولا تجد أحدا يهتم. وبالتالي لا تجد أحدا يحبك فقط لأنك أنت.
حين سرقت نفسك
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
