من يسمع أرقام الديات اليوم في بلادنا يصدّق أن كل مواطن يجلس على بئر نفط خاصة، وأن أفقرنا يملك رصيدا لا يقل عن 50 مليون ريال، ولعل آخر صيحات الديات ما سمعته في فيديو متداول عبر (الواتس اب) لرجل يطلب خمسين مليونا وأكثر من عشر سيارات (صالون) يقصد بها سيارات الدفع الرباعي دية لابنه، وتجلية أهل القاتل من المنطقة الإدارية التي يقطنونها، فحين تسمع ذلك تدرك أن الرجل لا يريد العفو عن القاتل، ولا يريد وجه الله، بل أطماعه الدنيوية والجهوية غطت على ضميره، فاستغل الحق الذي منحه الله تبارك وتعالى في ابتزاز وتدمير أسرة كاملة.
ماذا يعني أن تدفع خمسين مليون ريال، يعني أن تبيع كل ما تملكه أنت وأبناؤك وبناتك، وإخوتك وأبناء عمومتك، ثم تجد نفسك لم تحصل على جزء صغير من المبلغ العملاق جدا، فتضطر إلى سفك ماء وجهك لاستنهاض همم أبناء قبيلتك أو عائلتك، وهؤلاء طبعا لن يساعدوك إلا بعد أن تبيع حتى (قدور) المطبخ، وتدخل في دوامة المجالس القبلية أو العائلية، ووضع القواعد للحالات المماثلة التي يتوقعون حدوثها في مجتمعنا المأزوم نفسيا إلى درجة حمل السلاح حتى في مناسبات الفرح والبهجة.
وبعد كل هذه التعقيدات، ربما تجد في رصيدك 1 من 50 مليون، وتحتاج إلى 49 جهدا مماثلا، وأطنان مكعبة من ماء الوجه الذي يغطي مواقع التواصل الاجتماعي، والمساجد، ومجالس القبائل المجاورة، ومكاتب رجال الأعمال والمشايخ، والأمراء، وفاعلي الخير في كل مكان.
وهب أن الله يسّر جمع هذا المبلغ، وشراء الصوالين، وخمسين قعودا و200 خروف حتى يشبع أهل الحق من النقود واللحوم والشحوم والمراكب الفخمة، وخرج القاتل، فأي خروج سيكون لهذا «المنكوب» الذي نكب نفسه بقتل أخيه في الدين والوطن، ثم تواصلت نكبته لنفسه ولأهله بعد خروجه الأليم، فسيخرج إلى أسرة محطمة لا تملك من حطام الدنيا إلا الآهات التي ستنفجر بعد احتفالات الرياء والمكابرة في الثلاثة الأيام الأولى، فكلما حزب هذه الأسرة أمر سيكون هذا (المنكوب) شماعة لكل مصائب العائلة، وسيسمونه (بعنوان المقالة)، وسيُعذب نفسيا حتى يتمنى أنه لم يخرج؛ لأن التعبير الذي سيسمعه باستمرار (ليتك ما خرجت، وليتنا ما ضيعنا مستقبلنا في إخراجك يا وجه.
.
.
).
أما أهل الحق الإلهي، الذين تشرطوا ما تشرّطوا لإخراج (المنكوب) من أجل أن يقال إنهم أوجعوا أهله، وسدوا حناجر (الشامتين)، وقطعوا ألسن المتفيهقين فلن يستمتعوا بغنائمهم المادية، بل سيمتد دم ابنهم إلى كل شيء ملكوه، فإن اشتروا قصرا، أو أقاموا تجارة سيسمعون شماتة (دم ابنهم) وإن ركبوا سيارة أو حتى أقاموا وليمة فلن يحمدوا عليها، بل سيعيّرون بكل ما يحاولون أن يتباهوا أو يتفاخروا به (بين العربان)، فأبسط (عذروب) في مجتمعنا ينفخ فيه الشامتون حتى يحيلوا صاحبه دمية مضحكة تنفر منها الذوات السويّة.
لو ترك لأهل القتيل أخذ حقهم الإلهي بالقصاص من القاتل، لكان أرجأ له، ولأسرته، فقتله حكم من الله يقيم العدل بين الناس، وطهارة له من الذنب العظيم، ورادعا لكل من تسوّل له نفسه بإزهاق نفس دون وجه حق أو شرع، ولذلك قال الله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، وقالت العرب (القتل أنفى للقتل)، ثم رحمة من الله وتخفيفا على عباده شرع الدية، فجعلها سترا لأهل القتيل من ذم الشامتين المحرضين على الثأر، وجعلها غرما على القاتل وأهله حتى تردعهم وغيرهم عن هذه الجريمة النكراء، وفي قبولها والعفو عن القاتل تراحم وتكاتف وتآخٍ بين أبناء المجتمع المسلم، لكن ما نسمعه اليوم من تغليظ ومبالغات ينسف عن الدية كل تلك المقاصد الشرعية السامية، فصارت الديات عبئا عظيما على كاهل أسرة القتيل وقبيلته ومجتمعه ووطنه، وستكون ذما لأهل الحق الشرعي لأنهم تاجروا بدم ابنهم، ولن يسلم من انتفاء تلك المقاصد السامية لا أهل القتيل ولا أهل القاتل ولا المجتمع.
يجب أن تتحرك مؤسسات الوطن الحكومية والأهلية لوضع الحلول لهذه المعضلة العويصة، فلا يعقل أن يصمت الجميع أمام الممارسات الأليمة، وأن يسلّموا لرغبة (بائعي الدماء)، مدمري أسر بأكملها؛ لإرضاء أطماعهم العمياء عن الحق، فلا بأس أن تزيد الدية عن المقررة بعض الشيء بنسب لا تتجاوز الضعف، لكن أن تكون أكثر من 100 ضعف فهذا هو المنكر بعينه دينيا واجتماعيا ووطنيا، وانسياق الناس لرغبة هؤلاء الجشعين وسماسرتهم لا مبرر له، وفي رأيي أن مبدأ العفو يكفي درءًا للقصاص، سواء أكان بمئة ألف أم بمئة مليون، ومن يبالغ لا يستلم أكثر من الدية المنصوص عليها شرعا ونظاما.
alhelali.
a@makkahnp.
com
وجه النكبة!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
