يقدم بروس ريدل الذي قضى سنوات طويلة يعمل في وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي في أمريكا أول رواية كاملة وتفصيلية عن أزمة الصراع الصيني - الهندي، والتي تصاعدت خلال فترة المفاوضات الحساسة والمتوترة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي »روسيا« في فترة رئاسة جون كندي حول كوبا.
الدعم الأمريكيويوثق ريدل في كتابه «أزمة جون كندي المنسية: التبت، وكالة الاستخبارات المركزية، والحرب الصينية - الهندية» الصادر في 2015، الدور الذي لعبته الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب بين الهند والصين: الدعم الأمريكي السري للمعارضة في التبت ضد الاحتلال الصيني.
ويوضح بالتفصيل كيف دربت أمريكا بدءا من 1957 المسلحين في التبت لقتال القوات المسلحة الصينية.
ولم تتخل أمريكا عن هذا الدعم السري لثوار التبت إلى أن تم تطبيع العلاقات الأمريكية مع الصين في سبعينيات القرن العشرين.
وهاجمت القوات الصينية الهند من جهتين مختلفتين من الأراضي الحدودية المتنازع عليها بين البلدين في 20 أكتوبر 1962، والتي يبلغ طولها أكثر من 3.
600 كلم في الهيمالايا.
وتغلغلت عميقا في الأراضي الهندية في كشمير غربا وفيما يعرف الآن بولاية أروناجل برديش الهندية شرقا.
واستمرت الحرب شهرا واحدا فقط قبل أن يأمر الزعيم الصيني ماو تسي تونج قواته بالانسحاب بطريقة تثير الاستغراب.
خفايا الصراع وتولى ريدل مهمة سد العجز التاريخي في كتابه، والذي يروي فيه خفايا ذلك الصراع الذي ساهم في رسم ملامح السياسة الأمريكية الكبرى في آسيا.
وقبل أن يندلع القتال بين القوات الصينية والهندية، اعتبر كندي العلاقات بين البلدين لها أهمية استثنائية.
حيث قال في 1959 إن الصراع يشكل «صراعا على قيادة الشرق، على احترام آسيا كلها»، وعندما هاجمت القوات الصينية الهند، رد كندي بالطريقة المناسبة –أرسل السلاح للهند، رفض الضغط عليها بخصوص كشمير، ووسع برنامجا سريا لوكالة الاستخبارات المركزية لدعم المتمردين في التبت الذين كانوا يقاومون الاحتلال الصيني.
إدارة كنديويروي الكاتب جميع تلك الأحداث بشكل شيِّق ومقنع، مستخدما مصادر دبلوماسية، مجريات البرنامج السري في التبت، وصورا مختصرة لبعض الأمور التي جرت في إدارة كندي، بما في ذلك مأدبة العشاء الرسمية في يوليو 1961 للرئيس الباكستاني الجنرال أيوب خان في مدينة ماونت فيرنون، والاستقبال الكبير الذي حظي به رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو في نيوبورت في نوفمبر من نفس العام.
ويبين ريدل النجاح الكبير في العلاقات العامة الذي حققته جولة جاكلين كندي في الهند وباكستان في مارس 1962.
الرئيس الباكستاني أيوب خان قدم لها هدية مميزة: حصان اسمه سردار، وهو الحصان الذي سار بدون خيال خلال تشييع جنازة الرئيس كندي.
تساؤلات الكتابالقيمة التاريخية والسياسية الأهم لهذا الكتاب هي في أنه يقدم إجابات مقنعة على سؤالين أساسيين: لماذا أمر الزعيم ماو تسي تونج قواته بالهجوم على الهند؟ ولماذا قام فيما بعد بإعلان وقف إطلاق النار وسحب قواته في الوقت الذي كان يستطيع فيه أن يسدد ضربة أشد قوة للهند؟ينفي ريدل الادعاءات بأن الهند قامت باستفزاز الصين وتسببت في نشوب الصراع.
حتى فيما يخص قرار رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو الكارثي بإرسال قوات تفتقر للتسليح الكافي وبأعداد قليلة لإقامة قواعد في المناطق المتنازع عليها، ويلقي الكاتب باللوم على الصين.
حيث اعتقد الزعيم الصيني أن الهند لديها مخططات بخصوص التبت وأنها مشاركة في برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي يدعم متمردي التبت، وكانت هناك انتفاضة فاشلة في شهر مارس 1950، واستمرت حرب العصابات حتى عام 1962.
وفي حقيقة الأمر، أذعن لال نهرو للغزو الصيني للتبت في 1950 معتقدا أنه كان يستطيع أن يشكل تحالفا معهم ضد الإمبريالية.
ويقول الكاتب إن هجوم الزعيم الصيني على الهند هو الذي «خلق الشراكة التي كان يخشاها» وتسبب بحدوث تقارب بين الهند وأمريكا بشكل لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن قبل أكتوبر 1962.
السبب الرئيس للأزمةويعتقد الكاتب أن السبب الرئيس في تلك الأزمة كان يعود إلى إحساس ماو تسي تونج بـ»الإحباط العميق لأن التبت لم تقبل، بهدوء واستسلام، الحكم الشيوعي الصيني»، وهنا يضع أصبعه على تساؤل مثير للاهتمام حول إدارة كندي وفترة ما بعد الحرب الصينية – الهندية في 1962: ماذا كان الرئيس كندي سيفعل بخصوص التبت لو أنه عاش فترة أطول؟ فربما كان كندي، في رأي الكاتب، سيؤسس لسياسة أمريكية تركز على استعادة استقلال التبت وإعطاء الدعم السياسي لحكومة دالاي لاما في المنفى.
ويرى ريدل، لو لم تنسحب القوات الصينية من الأراضي الهندية، فإن كندي ربما كان سيستجيب لطلب نهرو اليائس بإرسال طائرات أمريكية مع طياريها للمساعدة في الدفاع عن أراضيه.
رئيس الوزراء الهندي نفسه قال إن سرعة الرد الأمريكي لعبت دورا أساسيا في القرار الصيني.
وفي إطار الضغط الصيني للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، صوَّر الزعيم الصيني قرار الانسحاب على أنه دليل على «ضبط النفس» الذي تتمتع به الصين.
واستخدم رئيس الوزراء الصيني تشو آن لاي تلك الواقعة بشكل فعال عندما فاوض وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في المرحلة التي أدت إلى الانفتاح بين أمريكا والصين عام 1971.
رؤية كنديورؤية كندي حول أهمية علاقة استراتيجية جديدة مع الهند لم تعش طويلا بعد وفاته، ويوضح الكاتب أن كندي كان رتب لاجتماع للمصادقة على صفقة أسلحة كبيرة للهند في البيت البيض بعد عودته من رحلته إلى تكساس، لكن كندي اغتيل في تلك الرحلة، وإدارة جونسون عادت إلى الموقع الأمريكي القديم الذي كان يعطي الأفضلية للعلاقات مع باكستان، وعادت الهند للتوجه نحو الاتحاد السوفيتي.
الوقت الحاضرالصين تدَّعي أن منطقة كبيرة في شمال شرق الهند هي في الواقع «جنوب التبت».
توغلات الجيش الصيني إلى داخل الأراضي الهندية زادت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية.
الحدود بين الصين والهند لا تزال إحدى أخطر بؤر التوتر في آسيا.
الرئيس باراك أوباما يرسم حاليا علاقة استراتيجية جديدة مع دلهي.
وهنا لا بد من التساؤل: هل سيدعم الرئيس الأمريكي الهند في حال اندلاع حرب حدودية جديدة مع الصين؟ وهل سيتعامل أوباما، أو أي رئيس يأتي بعده، بشكل جدي مع الأهمية الاستراتيجية للتبت؟ هذه الأسئلة وغيرها تأتي بشكل بديهي بعد قراءة هذا الكتاب الهام.
«بروس ريدل مدير برنامج الاستخبارات في معهد بروكينجز للأبحاث.
خدم لمدة ثلاثين عاما في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وكان مستشارا لأربعة رؤساء أمريكيين في شؤون جنوب آسيا والشرق الأوسط.
كما يقدم أيضا استشارات للحكومة البريطانية»