البطالة خطر كبير لا يقلل من خطورتها إلا مكابر أو مخادع، فقد تكون الحاضن المناسب والفضاء الواسع لكل أنواع الفساد والجرائم، والقضاء على البطالة واجب وطني ومسؤولية كبيرة تقع على كافة المسؤولين فلا يوازيها إلا واجب حماية الثغور وتأمين الحدود. واستثمار الشباب ضرورة استراتيجية في تنمية أوجه جميع الأنشطة والمجالات الحيوية في الوطن والارتقاء بها نحو التقدم الحضاري، فاستثمار قدرات وطاقات الشباب تتفوق في أهميتها عن استثمار مصادر الثروة الرئيسة في البلاد، وأهمية مكافحة البطالة لا تقل بحال من الأحوال عن أهمية مكافحة الأمراض والأوبئة المعدية، وعلى هذا الأساس يجب أن تعامل ظاهرة البطالة ويتم النظر إليها من هذه الزوايا باعتبار أن التراخي في علاجها سيؤدي إلى كارثة آجلا أو عاجلاً. وبخاصة في وطن لا يشكو من القدرات المالية القادرة على استيعاب هؤلاء الشباب المؤهل. فالبطالة رغم أنه لا توجد نسبة محددة صحيحة توضح عدد العاطلين إلا أن البطالة ما زالت تقبع في كل ركن وبيت وتجتاح الشباب كاجتياح الرياح العاتية، ولا أدل على ذلك مما يحدث لكثير من الخريجين والخريجات في المعاهد الصحية والكلية المتوسطة للبنات كمثالين فقط والأمثلة أكثر من أن تحصى. إن محاربة البطالة ليست واجبا وظيفيا يقع على عاتق الدولة - وحسب - بل هو واجب إنساني وشرعي عليها، فمحاربة البطالة مبدأ من مبادئ الإسلام، فقد يكون الشاب أو الفتاة من القادرين على العمل لكنهم لا يجدونه، وهنا يأتي دور الجهة المسؤولة في الدولة لتأمين العمل لهم. والإسلام لا ينكر خطورة البطالة بل قد نبه إلى تلك الخطورة، وإلى مواطن الانحراف التي قد تؤدي إليها البطالة، سواء الانحرافات الفكرية أو السلوكية أو النفسية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، ويأتي على هرم تلك الانحرافات ظهور الجرائم بكل أنواعها، وقد حارب الإسلام البطالة بكل أشكالها، فالجهة المناط بها التوظيف في الدولة مسؤولة عن تدبير عمل شريف لكل قادر على أداء العمل ومؤهل لذلك. بل إن مبادئ الإسلام وقيم العمل الخلقية تحذر وتمنع من البطالة حتى لو كانت تلك البطالة بحجة التفرغ للعبادة. فقد جاء في الحديث الشريف أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل يوما إلى المسجد فرأى رجلا يتعبد الأوقات كلها فقال له: [من يسعى عليك؟] قال: أخي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [أخوك أعبد منك!]
وتاريخ الإدارة الإسلامية له السبق في التنبيه إلى مخاطر البطالة وإلى الآثار السلبية السيئة التي قد تترتب عليها من سوء الانحراف الفكري، ورعونة التصرفات السلوكية ومساوئها فتكون ثمارها قطعا لجرائم عديدة، ومفاسد أخلاقية لا حصر ولا حد لها. والخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول «إني لأرى الرجل فيعجبني فأسأل: هل له من عمل فإن قيل: لا
سقط من عيني». كما أن الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما يقول أيضا «أشر شيء في الدنيا البطالة، لأنها مأوى الشيطان». فقالوا كيف تقول هذا؟ قال: إن الباطل أو العاطل إذا كان باطلاً عاطلاً فتوقع منه الزنا وتوقع منه الفاحشة والمعصية والعقوق. ومن الأقوال المأثورة التي تشير إلى خطورة البطالة - أيضاً - ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله «إذا جلس الرجل ولم يحترف دعته نفسه إلى أن يأخذ ما في أيدي الناس». وهذا يعني أن اللجوء إلى السرقة والغصب والنهب والقتل وإلى الانزلاق في طريق المخدرات والدعارة هي السبل التي قد يراها العاطل متاحة أمامه للحصول على تأمين تكاليف الحياة. وبخاصة في ظل صعوبة تكاليف الحياة والعجز عن مواجهتها والتغلب عليها. ومهما كانت قوة الإرادة عند العاطل والوازع في ردعه عن ارتكاب الجرائم والمفاسد فإنه سيجد نفسه يوما وقد تورط في عمل غير أخلاقي دون أن يدري. ومن المؤكد أنه بقدر فتح قنوات كثيرة للتوظيف واستيعاب الشباب ومعالجة البطالة يكون بقدر ذلك إغلاق أساليب الفساد وتجفيف منابعها، وسدّ منافذ الجرائم وطرقها. إن التبريرات التي يسوقها بعض الناس لوجود البطالة وأنها بطالة غير واقعية، سيكون لتلك التبريرات أثر سيئ وسلبي على الشباب والوطن، فمن الواجب معالجة الأخطار الاجتماعية مهما كانت صغيرة، فإن أكثر الحرائق ومعظم النيران تكون من مستصغر الشرر. والبحار والمحيطات ما هي إلا قطرات. فلا نغفل عن البطالة حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم. لعل من طرق معالجة البطالة أن يتم تجديد الدماء في مفاصل جميع أجهزتنا الحكومية والقطاع الخاص، فقد آن الأوان أن يستريح كل من أمضى ثلاثين عاما في الخدمة، وتعيين شباب أكثر حيوية ونشاطا وتأهيلا. على أن يتم تعويض من يتم الاستغناء عنه برواتب نصف المدة المتبقية من خدمته. وإعطائه راتبا تقاعديا يمثل 75% من راتبه الشهري. وأعتقد أن فائض ميزانية الدولة الضخمة تتحمل مثل هذا الإجراء الوطني فقد طبقته شركات بميزانيات محدودة فكيف لا تطبقه الدولة بميزانيات ضخمة.
البطالة بيئة تحتضن الفساد
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
