تزاحمت الأحداث خلال الأسبوعين الماضيين، فمن نتائج الانتخابات التركية وما آلت إليه من فوز كبير لحزب العدالة والتنمية، ثم سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء بفعل عمل إرهابي على الأرجح، ومن قمة العشرين التي عقدت بمدينة أنطاليا بتركيا، ثم حوادث التفجيرات الإرهابية بمدينة باريس، وأخيرا السيول التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة العربية السعودية، وما نجم عنها من إعادة اكتشاف سوء التخطيط الذي - وللأسف الشديد - يتعرض له كثير من المرافق في بلادنا، ولضخامة حجم الخسائر آثرت أن يكون مقالي لهذا الأسبوع عن التخطيط الاستراتيجي، فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على إنشاء وزارة التخطيط التي تحولت من هيئة مركزية للتخطيط، إلا أننا لم نلحظ أثرا ملموسا لهذه الوزارة، حيث نجد أن كل قطاع حكومي يغني على ليلاه، فلا تعاون ولا تنسيق بين كافة المرافق الحكومية، وسأضرب عدة أمثلة على ذلك على النحو التالي:ففيما يتعلق بتخطيط المدن نجد أن وزارة الشؤون البلدية والقروية تنفرد بهذا الأمر، ولا تنطلق من خطة استراتيجية طويلة المدى، ولم يراع في كثير من المخططات كافة احتياجاتها المستقبلية، فمن ضيق الشوارع وعلى وجه الخصوص الرئيسية منها، وعدم اكتمال المرافق الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والهاتف وتصريف السيول وسوء سفلتة وإنارة، ثم تبدأ عملية اعتمادات مالية لهذه الخدمات ويفاجأ الجميع بتحويلها إلى مرافق أخرى أو تنفيذها تنفيذا سيئا بسبب غياب الرقابة الإدارية والمالية، والفنية والهندسية، وقدرة بعض المسؤولين التنفيذيين على استغلال الثغرات في الأنظمة المطبقة بهذا الخصوص انطلاقا من غياب أمرين أساسيين: الأول ضعف الوازع الديني أو تلاشيه، والثاني عدم وجود العقوبات الصارمة التي تصل إلى حد التشهير بهؤلاء المتلاعبين والمستغلين لمراكزهم ونفوذهم، حيث يكتفى في الغالب الأعم بإنهاء الخدمة، وبناء على طلبه، وقد يتم وضعه في منصب آخر.
ولقد كشفت السيول الكثيرة المتعاقبة عن الخلل الكبير وسوء التنفيذ بسبب تفشي الفساد، وتوقع الكثيرون أن تكون هناك عقوبات صارمة بحق من تسبب في كارثة سيول جدة لعامي 1428 و1432 لا سيما أن الأمر الملكي الكريم الذي صدر بتشكيل لجنة التحقيق نص على عدم استثناء أي شخص كائنا من كان، ومرت عدة سنوات ولم نشاهد أثرا كبيرا ملموسا تجاه المتسببين ليكون عبرة لباقي المسؤولين، وإلى الله المشتكى.
وإذا ما انتقلنا إلى باقي القطاعات التعليمية والصحية والنقل بأنواعه وغيرها نجد كذلك افتقادها إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يراعي احتياجات المستقبل، وكأننا نعيش لوقتنا الحاضر ولا يعنينا بأي حال من الأحوال أجيال المستقبل، فعلى سبيل المثال نجد أن التعليم - قبل دمجه وما زال - يفتقد إلى التنسيق والتعاون والتكامل بين كافة مراحله العام والتقني والعالي، وليس فقط فيما بينها، بل وبينها وبين وزارات الخدمة المدنية والاقتصاد والتخطيط والعمل، وتعمل كل جهة بمفردها، بل حتى إن القطاعات المتماثلة مثل الجامعات لا يوجد بينها أي تنسيق على الرغم من وجود نظام ولوائح موحدة للجامعات، والنتيجة كانت ضعف كثير من مخرجاتها في الجملة.
وإذا انتقلنا إلى القطاع الصحي نجد أن الوضع لا يواكب التطلعات، فعلى الرغم من الوفرة والفوائض المالية التي مرت بها بلادنا، إلا أن الخدمات الصحية أقل من المأمول وبكثير، والآن وبعد انخفاض أسعار النفط بشكل حاد فإن الأوضاع سوف تزداد صعوبة.
وأما النقل وبكافة أنواعه؛ الجوي والبحري والبري، فهو محلك سر، وحتى القطارات تأخرنا كثيرا في تنفيذها على الرغم من أن بلادنا أحوج ما تكون إلى هذا النوع من النقل وكلفنا هذا التأخر نفقات ضخمة ناجمة عن عملية تمويل نزع الملكيات، كما أن مطاراتنا التي كنا نتغنى بها مثل قولنا: «درة المطارات» وغيرها من هذه العبارات الخادعة والمضللة، اكتشفنا زيفها عندما شاهدنا مطارات الدول الأقل نموا ودخلا مثل سريلانكا وإندونيسيا وتايلاند وبعض الدول الأفريقية، وحصل أحد مطاراتنا الرئيسة والهامة على المركز ما قبل الأخير، وإلى الله المشتكى.
وإنك لتعجب أشد العجب عندما يتغير المسؤول ويأتي من بعده، تجده يبدأ من نقطة الصفر، ويعمل كثير منهم على إبعاد معظم القيادات الذين عملوا مع من سبقه، ويأتي بآخرين، وليتهم يأتون بالمتميزين والمبدعين، بل نجد معظمهم من أصدقائهم وشلتهم.
وعموما.
.
وبعد هذا العرض المختصر، وإلغاء معظم المجالس واللجان والهيئات وإنشاء مجلسين رئيسيين هما السياسي والأمني والآخر الشؤون الاقتصادية والتنمية، فإننا ننتظر وبفارغ الصبر أن يتم استدراك ومعالجة الفوضى، والبدء بمرحلة التخطيط الاستراتيجي الشامل ومحاسبة المقصر من المسؤولين، بل والتشهير به.
فهل يتم هذا الأمر؟!.
.
أرجو ذلك.
.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
aloqla.
m@makkahnp.
com
أفريقيا من منظور مالي
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
