نعم فعلها.. ليس لأنه حقق الحلم الذي يسعى لتحقيقه منذ سنوات، ولكن لأنه فعل أيضا الشيء الذي كنت أظن أن أحدا لن يفعله في هذا الجيل، أن يقدم شيئا يحفر في أذهان الجيل، كما حفر العقاد في أذهان جيلي بفيلم الرسالة.
هل يمكن مقارنة رائعة العقاد ببلال؟
نعم، ورغم أني من عشاق الرسالة، وكنت أحفظ حواره كلمة كلمة (اليوم وغدا.. يا هند!)، إلا أن «بلال» سيتفوق على فيلم الرسالة في بعض الجوانب المهمة، ذلك أن أيمن جمال حرص على تقديم رؤية جديدة، معاني جديدة، لكل الأشياء التي تم بحثها في الفيلمين.
فيلم الرسالة قدم السيرة النبوية كما وردت في الكتب التاريخية، قدم لنا الإسلام كما فهمه كتاب السيرة، الإخراج الأداء الحوار الموسيقى، كل شيء كان رائعا.. لكن لا فهم جديدا، فيلم الرسالة يهزك عاطفيا، يجعلك تحب السيرة أكثر، أما بلال فهو يقدم هزة فكرية، يقدم فكرا جديدا لا يلغي بالضرورة الفهم القديم، لكنه يتكامل معه، ويقدم رؤية عصرية، رؤية جديدة...ولا ينسى العاطفة أبدا، فأنت تخرج وأنت تحب بلالا وحمزة وأبا بكر والفترة كلها أكثر، لكن الاختلاف الكبير بين الرؤيتين هو هنا، أيمن جمال يقدم معنى جديدا للمتلقي.
تعودنا أن نفهم الإسلام والتوحيد باعتباره تحطيم تلك الأصنام التي كانت تعبد في الكعبة، هبل واللات والعزى، الأصنام التي لم يعد لها وجود، أيمن جمال عبر بلال يقول لنا لا، هناك أصنام لا تزال موجودة، في الداخل،، قد تكون المال، الشهوات، الأنا، لكنها موجودة، والإسلام يعني إزالة هذه الأصنام أيضا.
العبودية لا تعود عبودية الرق فحسب، بل العبودية لتلك القيود في الداخل، التي يمكن أن توجد في مكة قبل خمسة عشر قرنا وفي نيويورك في القرن العشرين، بلال لا يقدم لنا ذلك عبر موعظة باردة أو خطبة حماسية، بل عبر تطور درامي في شخصيته، إلى أن يقول له أمية: هل تريد مني أن أزيل لك قيودك، فيرد عليه بلال وهو مكبل بقيود أمية: لكني أزلتها بالفعل!
هذه النقطة يتفوق فيها بلال على الرسالة: تقديم فكر جديد ورؤية جديدة للإسلام، لا تخالف ما سبق، بل تبني عليه..
من الناحية الفنية، الفيلم فاق توقعاتي، لا أتحدث هنا عن الإمكانات الهائلة والدقة في التفاصيل، بل عن كون كل مشهد في الفيلم، كل مشهد، هو لوحة فنية جميلة أخاذة، الألوان، تدفق النور، الملابس، كل شيء، كل شيء معد ليكون لوحة فنية جميلة تريد أن يتوقف الفيلم لكي تتأمل فيها، أو تلتقط معها صورة تذكارية!.. وهذه ناحية تفوق فيها بلال على الرسالة وعلى كل ما شاهدت على الأقل من أفلام الحركة، في العادة لا يكون الاهتمام كبيرا بهذه الأمور..
الحوار قوي جدا، اقشعر جلدي كذا مرة وأنا أسمع كلمات أبي بكر لبلال، وكنت ألتفت لأرى إن كان الأمر مماثلا مع الجميع، وقد كتبت أن الناس صفقت على نحو عفوي عندما قال بلال «أحد أحد» كما لو أنهم فوجئوا بها رغم أنهم يعرفونها تماما.
فيلم الرسالة قدم رؤية بانورامية شاملة للسيرة النبوية، بلال يقدم لنا مقطعا من هذه السيرة، ولكنه يقدمها بالمجهر، بالعمق..
طبعا هناك المآخذ المتوقعة: الفيلم لم يشر صراحة إلى الإسلام، إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يكن فيه (في هذه النسخة على الأقل): الأذان.
برأيي أن جزءا من هذا يعود إلى الهزة الفكرية التي يقدمها الفيلم، بالنسبة للمسلمين، هم يعرفون عم يتحدث الفيلم لذا فذكر الأشياء بمسمياتها لن يقدم ولن يؤخر شيئا.. بالنسبة للمشاهد الغربي، الفيلم يستدرجه بعيدا عن الأحكام المسبقة، ذكر الإسلام أو الرسول في هذه المرحلة سيقود فورا إلى الأحكام المسبقة الجاهزة في ظل الإسلاموفوبيا المنتشرة، بينما الفيلم يستدرج الغربي إلى حب بلال، وحب قضيته، وإذا تحفز فكريا بما فيه الكفاية، فإنه سيبحث، خاصة أن الفيلم موضح أنه (مستوحى) من قصة حقيقية، وبمجرد نقرة على قوقل سيكتشف أن الحديث كان عن.. مفاجأة: الإسلام.. إن لم يحدث التحفيز الفكري، فلن يفرق الأمر كثيرا في الحالتين..
ومن المؤكد أيضا أن حرص صناع الفيلم على منح الفيلم أوسع فرصة للعرض في صالات السينما الغربية قد تدخل في عدم ذكر بعض الأشياء صريحة، أي شخص يعمل حقا وبعيدا عن البرج العاجي يعلم أن عليه تقديم بعض التنازلات، ذلك أفضل بكثير من أن ينتهي الفيلم ليعرض في المناسبات الدينية على القنوات العربية دون أن يصل للعالم كله.. الظروف التي عمل بها العقاد كانت مختلفة جدا، كانت الطفرة النفطية قد قاربت بين العرب والغربيين، وكان من المناسب وقتها جدا أن يقدم العقاد فيلما صريحا بممثلين أجانب، (ورغم كل هذا فهو لم يشر تماما إلى أي صراع مع اليهود لأسباب مفهومة تماما وتضاعفت الآن).. الوقت تغير جدا، واقتحام صالات العرض الغربية يتطلب تكتيكات معينة، وألا تقول بعض الأشياء، أفضل بكثير من أن تقول كل ما تريد ولا يسمعك أحد.. (وللعلم: رغم أن الظروف كانت أفضل آنذاك، لم يتح لفيلم الرسالة عرض جماهيري واسع، بل عرض في قاعات محدودة مستأجرة..)
أغرب ما سمعت من انتقادات كان أن سكوت الفيلم عن الإسلام والرسول (عليه الصلاة والسلام) يعود لخجل صناع الفيلم من دينهم! أو شيء كهذا...والله؟! كان يمكنهم صنع فيلم عن السندباد بالمناسبة، أو عن ألف ليلة وليلة، وسيكون تجاريا أنجح دون عوائق ودون محاذير وربما كان الشخص الذي انتقد نفسه سيقول لماذا لم يقدموا فيلما عن الإسلام؟.. قليلا من الإنصاف لا يضر، بين الحين والآخر..
لكن لدي مآخذ على الفيلم، وأعتقد لم يفت الأوان، الفيلم طويل ويحتاج إلى أن يكون أقصر، أعرف تماما أن قطع اللوحات الفنية الجميلة أمر مؤلم على صناع الفيلم، لكن أعتقد لا بد.
طبعا موسيقى الفيلم شيء آخر، الموسيقى بطل من أبطال الفيلم.. ولا يمكن أن أتحدث عن الفيلم دون أن أتحدث عنها..
في الليلة التي عرض فيها الفيلم، لم أشاهد مجرد فيلم، بل شاهدت أيضا مشروع حب ينجح، شاهدت حب أيمن جمال للفكرة ولبلال وهو يتوج ويتحقق ويصبح فيلما سيشاهده الملايين.. نعم.. لقد فعلها أيمن!