كانت الجزيرة العربية تموج في ظلمات وحروب وجهل وعبادة للأصنام والأوثان من دون الله عز وجل على الرغم من وجود بيت الله الحرام، والذي أغاظ وجوده أبرهة الحبشي الذي قدم من اليمن إلى مكة لهدمه وسار بجيشه العرمرم يتقدمهم الفيل وأغار على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذه وكان فيه مئتا بعير لعبدالمطلب.
فجاءه وقابله ودار بينهما الحوار الشهير الذي تناقلته الركبان وأرخه المؤرخون ومن هذا الحوار قول أبرهة لعبدالمطلب قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت أهدمه فلا تكلمني فيه، فأسمعه عبدالمطلب تلك الإجابة التي تهتز لها الأبدان وتقشعر منها الجلود: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه، قال ما كان ليُمنع مني، قال أنت وذاك، أردد إلي إبلي. ولقد حمى الله عز وجل بيته وسلط على أصحاب الفيل طيرا أبابيل رمتهم بحجارة من سجيل. وفي هذا العام الذي سمي بعام الفيل ولد خير البشرية وسيد ولد آدم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وقد تجسدت فيه صفات النبوة منذ اللحظة الأولى لولادته، ولعظم مكانته صلى الله عليه وسلم فلقد قرن الله عز وجل بين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فلا يصح اعتقاد المسلم وإيمانه إلا بهما. وتميز (عليه أفضل الصلاة والسلام) بكثير من الصفات مثل الأمانة والصدق والحكمة والجود والكرم وغيرها، وفي هذا المقام استحضر جزءا من خطبة الشيخ الدكتور عبدالمحسن القاسم إمام وخطيب المسجد النبوي عنه صلى الله عليه وسلم قبل عدة سنوات «هو صفوة الخلق وخير أهل الأرض نسباً قال عليه الصلاة والسلام (فأنا خيرهم نسباً وخيرهم بيتاً) نشأ يتيم الأبوين يتقلب بين أحضان متوالية برعاية من الله عز وجل، بُغّضت إليه عبادة الأوثان والخنوعُ للأصنام حفظه خالقه في صغره وصانه في شبابه فما استلم صنما ولا مس وثنا، تزوج قبل البعثة بامرأة نبيلة شريفة أعظم النساء شرفا وأوفرهن عقلا أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، بعثه الله والأرض مملوءة بعبادة الأوثان وأخبار الكهان وسفك الدماء وقطيعة الأرحام فدعا إلى عبادة الله وحده صابرا على ما يلقاه من إعراض وتكذيب وجفاء، رفع الله ذكره وأعلى شأنه، معجزاته باهرة ودلائله ظاهرة منصور بالرعب، مغفور الذنب، أول من يشق عنه القبر، وأكثر الأنبياء أتباعا، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يعبر الصراط، كان في عبوديته لخالقه خير عبد دائم الشكر والحمد، قام من الليل حتى تفطرت قدماه، أشد الناس تواضعا، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، يخدم أهله ونفسه، ويحمل اللبن مع صحابته في بناء المسجد، يسلم على الصبيان ويمازحهم، قال أنس رضي الله عنه (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكان كريم الفضل وسخي اليد غزير الجود ينفق سخاءً وجوداً وتوكلاً، ما سئُل عن شيء من متاع الدنيا مما يملك فردّ طالبه، لا تغضبه الدنيا وما كان لها حتى قال (مَالِيَ وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ فَتَرَكَهَا)» انتهى.
وهكذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ماله أكبر همه لأن له هما أكبر هو تبليغ رسالة ربه عز وجل، كما أن في اهتمام الرسول عليه الصلاة والسلام المتكرر طوال حياته الدعوية بالتبشير بالجنة والتحذير من النار دلالة على أهمية غرس الوازع الديني في النفوس حتى يصل المسلم إلى درجة عالية من التضحية بالدنيا من أجل الآخرة، وقد أبقى النبي عليه الصلاة والسلام صلته مع أقاربه وهم كفار، فمن باب أولى لعموم المسلمين - وخاصة الدعاة - أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين، وإن أنكروا منهم بعض السلوك أو جابهوهم بشيء من النفور والتحدي، من أجل أن تكون هذه الصلة سببا بعد ذلك في عودتهم إلى الالتزام بالدين واحترام دعاته المخلصين. وبعد فإن هذا نزر يسير من صفاته وخصائصه وسيرته العطرة عليه أفضل الصلاة والسلام، والكتابة عنها تحتاج إلى مجلدات ضخمة، ومحبته صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول ديننا الحنيف، فلا إيمان لمن لم يكن عليه الصلاة والسلام أحب إليه من نفسه ووالديه وولده والناس جميعا، وإن تلك المحبة تقتضي اتباع هديه واقتفاء سنته والاقتداء به والسير على نهجه، والسؤال الذي يطرح نفسه هل غرسنا في قلوب أولادنا - بل وفي قلوب أفراد مجتمعنا - محبته صلى الله عليه وسلم؟ وهل اعتنينا بتدريس سيرته النبوية كما يجب؟.. أترك الإجابة لكم جميعا.. والله الهادي إلى سواء السبيل.
وإنك لعلى خلق عظيم
محمد العقلا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
