سلطت الأزمة الأخيرة بين بغداد وأنقرة، بسبب الوجود التركي في شمال العراق، الضوء على قضية تعود إلى عام 1992.
ووفقا لتقرير حديث من معهد واشنطن فإن «الدافع الاستراتيجي لهذا الانتشار الأمامي التركي برجع إلى نقلة نوعية كانت قد سجلت في التسعينات، عندما تبنت القوات المسلحة التركية استراتيجية صراع منخفض الحدة ردا على تهديدات صادرة عن حزب العمال الكردستاني.
ويشكل الانتشار الحالي امتدادا لردة فعل أنقرة الجيوستراتيجية على الحروب الصغيرة على طول حدودها الجنوبية، ومن غير المرجح أن تنسحب القوات التركية من شمال العراق في المستقبل القريب إلى المتوسط وفقا للتقرير.
الطريق إلى الوجود التركي الدائم:

  • 1 - استبدلت القوات المسلحة التركية نظام المعركة المرتكز على الفرق الثقيلة الذي كانت تطبقه في حقبة الحرب الباردة بقوة مرتكزة على ألوية تتمتع بقدرة عالية على التنقل وقابلة للانتشار بسرعة.
  • 2 - حسنت القوات التركية قدرات سلاحها الجوي من خلال شراء مروحيات هجومية ومروحيات خدمات مزودة بأجهزة للرؤية الليلية.
  • 3 - تبنت القوات التركية استراتيجية قائمة على البحث والتدمير بدلا من مقاربتها الدفاعية السابقة المرتكزة على المراكز العسكرية.
  • 4 - عززت وحدات المغاوير النخبوية المتمركزة في الجبال لهذه الغاية.
  • 5 - استمرت القوات التركية في مواجهة التحدي الذي تمثل باستفادة حزب العمال إلى حد كبير من الفراغ في السلطة بشمال العراق بعد حرب الخليج الأولى.

الحملات العسكرية:

  • شنت تركيا حملة عسكرية طموحة عبر الحدود منذ 1992، من خلال نشر نحو 15 ألف جندي من القوات الجوية والجيش والدرك للمشاركة في العمليات بشمال العراق.
  • كانت تلك ثاني أكبر حملة تشنها تركيا بعد تدخلها العسكري في قبرص عام 1974، وألحقت خسائر فادحة بحزب العمال الكردستاني.
  • في عام 1995، شنت القوات التركية حملة أكبر عبر نشر 35 ألف جندي على مسافة وصلت إلى حد 60 كلم في عمق الأراضي العراقية ومن خلال تعبئة القيادة الجوية التكتيكية الثانية.

الانعكاسات على واشنطن:

لدى تركيا حاليا نحو 3000 جندي في العراق.
وعلى الرغم من أن هذه القوات لا يمكنها بذل القوة اللازمة لاستعادة الموصل أو حماية منطقة حكومة إقليم كردستان بأكملها من تنظيم داعش، إلا أنها تؤدي بعض المهام الرئيسة التي قد تخدم المصالح الأمريكية.

أولا: من خلال نشر دبابات وكتيبة مغاوير قوية بالقرب من المواقع الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش في الموصل، سلطت أنقرة الضوء على موقعها السياسي - العسكري في شمال العراق.

ثانيا: من منظور عسكري محض، فإن الانتشار الأمامي قد يمهد الطريق أمام توغل أوسع في إطار المتابعة إذا ما دعت الحاجة.

ثالثا: يبدو أن أنقرة تتفاعل مع ما يعرف بـ»عقيدة جيراسيموف» التي تتبعها روسيا، والتي تنشئ من خلالها موسكو دائرة نفوذ في بلاد الشام عبر مقاربات غير ممنهجة، مثل التنسيق مع طهران وبغداد ودمشق بشأن مسارات صواريخ كروز من بحر قزوين إلى الداخل السوري.