وصف دبلوماسي تركي بارز اللقاء الدوري الثامن بين الرئيس التركي عبدالله غول ونظيره الأفغاني حامد قرضاي ورئيس وزراء باكستان نواز شريف في قصر الرئاسة بالعاصمة أنقرة بحضور رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي، بأنه كان مميزا هذا العام عن المرات السابقة بشكله ومضمونه
وتابع أن جدول الأعمال الموسع والتطورات السياسية والأمنية في أفغانستان وباكستان هي التي شجعت على اتخاذ مجموعة من القرارات العملية التي تترجم الرغبة الثلاثية في “بناء السلام الدائم في قلب آسيا” شعار قمة هذا العام
جدول الأعمال هذا العام ركز على قضايا الإرهاب والتشجيع على الحوار وحل أزمة اللاجئين في البلدين وإعادة الإعمار لكن الأولوية أعطيت لقضية انسحاب قوات شمال الأطلسي من أفغانستان، هذه القضية التي لها أكثر تأثير على الداخل في البلدين طبعا إلى جانب ارتداداتها الإقليمية والدولية كما يقول الكاتب التركي سميح إيدز
وتعكس طبيعة الوفود المشاركة والتي ضمت عسكريين واقتصاديين ودبلوماسيين حقيقة أن المحادثات كانت متعددة الجوانب وأن فكرة هذه القمة التي اقترحتها تركيا على إسلام آباد وكابول وتعقد منذ عام 2007 تعكس فكرة تمسك تركيا بدور “المسهل” أو الوسيط الذي يعمل على تشجيع ومساعدة البلدين في حل الخلافات بينهما وإزالة التوتر بسبب الاتهامات المتبادلة حول دعم الإرهاب وعمليات التسلل عبر حدود مشتركة بين البلدين تصل إلى 2500 كلم من الصعب ضبطها
ويرى الأكاديمي التركي إحسان باغجي في جامعة الشرق الأوسط أن المهمة التركية ليست سهلة، فكما عليها أن تبدد غيوم التوتر الأخير في أعقاب اغتيال الزعيم الأفغاني السابق برهان الدين رباني، عليها أن تعيد أجواء الثقة التي تراجعت بسبب مواجهات الكر والفكر مع طالبان والاتهامات المتبادلة في تحميل مسؤولية التصعيد الأخير مع أن قناعة الطرفين أن الحوار السياسي هو مفتاح الحل، وتجنبهما أن لا يكونا أول من يترك الطاولة خصوصا بعد وصول نواز شريف إلى مركز القيادة في باكستان ورغبته في إخراج بلاده من موقع فك الكماشة بين أفغانستان والهند
ورأت القيادات السياسية الباكستانية والأفغانية المشاركة في قمة أنقرة مرة أخرى أن تركيا متمسكة بلعب كافة الأوراق التي تملكها في محاولة إنهاء الخلافات بين كابول وإسلام آباد وأنه رغم مشاركتها في قوات شمال الأطلسي واعتبارها جزءا من هذا التحالف فإن طريقة عملها والقواسم المشتركة التي تجمعها بالبلدين تعطيها الكثير من الفرص لطرح الحلول والاستراتيجيات، وهذا ما أكدته الوقائع على الأرض، وما عبر عنه نواز شريف مباشرة أمام الإعلام التركي عندما أشار إلى مسألة انسحاب قوات الأطلسي من أفغانستان واعتبارها القضية الأهم لهذا العام فهناك فراغ سيحدث وينبغي معالجته سريعا حتى لا يعيدنا إلى خط البداية، مؤكدا أن وتركيا قادرة هنا على المساهمة الفعلية في قطع الطريق على أي تراجع أو تدهور أمني بعد الانسحابات
حديث وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو صاحب نظرية “تصفير المشاكل” في الإقليم كان قد كرر أكثر من مرة أن استراتيجية بناء السلام وكسب العقول والقلوب أفضل كثيرا من لعب أوراق التوتير والتصعيد في المنطقة، وهو يرى أن مشاريع تركيا الخدماتية والإنمائية في البلدين تدل على رغبتها وهدفها الحقيقي على طريق تعزيز الحوار وبناء الثقة
ووفقا للمراقبين يبقى السؤال قائما هو هل المطلوب الآن إعطاء دور عسكري أمني مميز لتركيا بعد انسحابات قوات حلف الأطلسي من أفغانستان خصوصا وأن الحديث يدور الآن حول تحرك تركي بعيدا عن الأضواء مع قيادات في طالبان أبدت استعدادها للتخلي عن السلاح والحوار مع الحكومة الأفغانية في إطار الدستور
فتركيا هي البلد المسلم الذي يشارك بنحو 1500 جندي في وحدات الأطلسي، وهي تمسكت دائما بالابتعاد عن المهام القتالية ضد طالبان وإعطاء الأولويات لمهام الإسناد والإعمار والتدريب
ويقول الباحث التركي أتيللا صندقلي رئيس مركز الدراسات الشرق أوسطية في إسطنبول “صحيح أن أنقرة تتحرك منذ 8 سنوات على خط كسب باكستان وأفغانستان إلى جانبها ضمن تنسيق ثلاثي أمني وتجاري لكن البعض أيضاً يتحدث عن تحرك إيراني فاعل على نفس الخط باتجاه بناء منظومة علاقات قوية مع كابول وإسلام آباد فهل المراهنة هي على تنسيق الجهود التركية الإيرانية هناك”
وأضاف “أنها مسألة ليست بمثل هذه البساطة بالنسبة للكثير من اللاعبين الإقليميين والدوليين أم أن الهدف النهائي هو إحالة الملف بأكمله إلى دول المنطقة مباشرة لتتعامل معه بعدما عجزت القوى الكبرى على تقديم الحلول”
نتائج وقرارات قمة قلب آسيا ستتبلور أكثر في الأيام المقبلة، هل هناك تحرك تركي يجري في إطار خطة تدعمها وتباركها واشنطن بعدما أقنعتها أنقرة بلعب أوراقها هي كخيار بديل للفشل الأميركي في باكستان وأفغانستان وتراجعه يوما بعد الآخر، أم أن اللاعبين الكبار سيتحركون في آخر لحظة لقول الكلمة النهائية وقطع الطريق على كل هذه السيناريوهات
التشخيص الذي وضعه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قبل أعوام حول بعض القياديين في الإدارة الأمريكية الذين يقولون إنهم يتحركون لمعالجة أزمة في مكان ما لتكتشف على التو أنهم تسببوا في أزمة جديدة أكبر وأكثر تشعبا، يذكرنا اليوم بالمشهد القائم في العلاقات الباكستانية الأفغانية التي دفعت كل هذا الثمن الباهظ