من المقبول أن تتنوع الآراء والمواقف تجاه ما يجري على الساحة المحلية والإقليمية، ومن الممكن أن ينافح كل صاحب رأي عن رأيه، ولكن تلك الحالة لا يمكن أن تكون معبرة عن واقع صحي أو مناخ حر إلا حين تكون الأطراف المكونة لها متمتعة على حد سواء بأمور أربعة. أولها أن يكون الفضاء الإعلامي مفتوحا لكل الأطراف، إذ ليس انفراد فكر أو توجه واحد بالمتاح من وسائل التواصل الإعلامي المؤثرة دليلا على صحته وسلامة مضمونه، وإن كان هذا الافتراض لم يعد دقيقا الآن، فالإعلام الجديد قد قلب الموازين وألغى هذا الاحتمال إلى حد بعيد. وثانيها أن تبنى المواقف والآراء على المضمون المجرد والحقيقة أو الفكرة فقط دون أن تتسلح بالترهيب والاستقواء بأي وسيلة على الفكرة المقابلة. وثالثها أن تركن الآراء في كل قضية إلى المسلمات الكبرى لجنس هذه القضية وقواعدها المتفق عليها، وإلا كان الحوار فيها عبثا، فليس معقولا مثلا أن تحاور أحدا في قضية شرعية دون أن يكون مسلما بوجود أصول تضبط فهم النص الشرعي، ويتعاظم العبث حين لا يكون هذا المحاور مؤمنا بمرجعية القرآن والسنة أصلا
ورابعها حضور البعد الأخلاقي الرفيع الذي يسمح بأجواء مثمرة للحوار، أما التخوين والإسفاف واللغة الساقطة فهي نذير شقاق حتى مع سلامة الفكرة وقوتها. وظني أن مجتمعا تتوافر لمفكريه ومثقفيه وعلمائه ودعاته مثل هذه الضمانات سيكون بلا شك مجتمعا مثاليا في وحدته وسلامته، وسيكون مثاليا حرا، وليس مختطفا لفئة أو فريق خلافا لإرادته واختياره. ومع إيماني بأن كل ما ذكر هو حاضر في عمق ثقافتنا الإسلامية وتراثنا الزاخر، فإننا مع الأسف لا نراه ماثلا إلى حد كبير إلا في المجتمع الغربي تحديدا، حيث انتهى القوم بعد قرون من الصراع والضياع إلى هذا المخرج، ثم انعكست مخرجات ذلك لديهم على دورة الحياة في جوانبها كلها، فما من مخالف أنهم يمارسون قدرا كبيرا من الحرية الفكرية المحكومة ببعض الضوابط القانونية، وهي التي سمحت لهم بنقد كل واقعهم والوصول إلى أمثل الأساليب المناسبة لحياتهم. ومع كل الخلل المتجذر في منطلقات النموذج الغربي فإنه مارس هذا الأمر باقتدار كبير، وتخلص من بلاء الاستبداد، بل أقام بناء قانونيا وثقافة مجتمعية لا تسمح بعودته أبدا. وبعد هذا أليس لنا ـونحن أمة الحوار والعدل وحسن الخلقـ أن نحلم بأجواء نقية نختلف فيها ونتحاور دون إقصاء أو تجاوز أو انتهازية بغيضة؟
الضمانات الأربعة
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
