في زيارتي لبعض مكتبات الكتاب المستعمل التجارية لدينا بمكة المكرمة (عمرها الله) لفت نظري من بين الكتب العتيقة المستعملة بعض المناهج الدراسية القديمة العائدة لعصور تعليمية مختلفة بدءا من عصر مديرية المعارف العائد لعام 1344هـ وحتى بدايات عصر الوزارة في حدود عام 1374هـ ، بعضها قد مضى عليه أكثر من ثمانين عاما، وبعضها دون ذلك في الستينات والسبعينات والثمانينات الهجرية..وقد تيسر لي تقليبها فوجدت فيها تاريخا تعليميا واسعا يستحيل معرفته إلا من خلال هذه المناهج، وأيقنت أن تاريخنا التعليمي يمكن أن يكتب من خلال دراسة هذه المناهج العتيقة وفحص مضامينها وتقييد الشوارد، ودراسة أهدافها وتمكين الباحثين من دراستها ووضع تسلسل تاريخي تعليمي سليم.
نعم هناك جامعات قدمت دراسات علمية عن المناهج العتيقة، ولكن التركيز الأكاديمي كان حول طبيعة المنهج الفنية ومدى تحقق أهدافه المهارية والوجدانية والمعرفية، ولكن لم تستخلص منه القيمة الوثائقية التاريخية، لأن الدارس محكوم بخطة منهجية تفرض عليه التقصي التربوي فقط وقد لا يتجاوزها، أما القيم الجمالية والوظيفية المتمثلة في تراثية المنهج فلها مجال آخر.
وسؤالي لماذا لم تعمد دارة الملك عبدالعزيز في جمع هذه المناهج وحفظها على هيئة وثائق؟ ولديها كادر مؤهل وبنية تحتية ممتازة! وللأمانة فقد بذلت هذه المؤسسة التاريخية التوثيقية جهودا كبيرة في حفظ الوثائق الحكومية والأهلية وتثبيت تاريخها وتصنيفه وتحويل جزء منه للميدان الدراسي وفق آليات علمية، فهي جديرة بأن تتولى هذه المهمة، فإن لم نحتفظ بهذا التاريخ التعليمي المنهجي عبر مؤسسات بحثية بمستوى الدارة فسوف تضيع حقبة تعليمية كبيرة جدا، ولو مست الدارة هذه المناهج مسا مباشرا وصنفتها وجمعت المتوفر منها وسدت بعض الثغرات المفقودة باستكمال السلاسل المنهجية وثابرت على ذلك لوجدنا تاريخنا التعليمي محفوظا وفي متناول الباحثين وباستطاعتنا أن نعمل له مراجعات تمكننا من بناء تراث منهجي ملائم لبيئتنا المعرفية والثقافية مستقبلا.
مناهجنا التعليمية القديمة.. تاريخ مهمل
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
