عمل خبراء الاقتصاد وعلماء النفس على مدى العقود القليلة الماضية بصمت على توثيق الطرق المتعددة للدور الذي يلعبه مستوى ذكاء الشخص (IQ).
وبالرغم من أهميته بشكل فردي، إلا أن الأبحاث الحديثة تبين أن معدله في البلد بشكل عام أهم بكثير من مستواه لدى الفرد، وأن الاختلافات تفسر معظم حالات عدم المساواة بين منطقة وأخرى ودولة وأخرى.
يستند كتاب «عقل الخلية» للخبير الاقتصادي والأكاديمي جاريت جونز على مجموعة واسعة من الأبحاث والدراسات في علم النفس، الاقتصاد، الإدارة، والعلوم السياسية وهو يؤكد أن الذكاء والمهارات المعرفية أكثر أهمية إلى درجة كبيرة على المستوى الوطني من المستوى الفردي لأن لها آثار إيجابية غير مباشرة.
عدوى الطباع
بشكل عام، الناس الذين يحققون نتائج أفضل في الاختبارات القياسية على المستوى الوطني يكونون أكثر صبرا، وأكثر تعاونا، ويتمتعون بذاكرة أفضل.
ونتيجة لذلك، تصبح هذه الخصائص – والخصائص الأخرى الضرورية للتعامل مع تعقيدات الاقتصاد الحديث - أكثر انتشارا في المجتمع كلما ارتفعت أرقام نتائج الاختبارات.
وعندما نكون محاطين بجيران يتحلون بقدر أكبر من الصبر، ويمتلكون خزانا أكبر من المعلومات، ومستعدون للتعاون مع الآخرين بشكل أفضل، فإننا على الأغلب نصاب بنوع من «عدوى» تلك الخصال أيضا إلى حد ما.
الذكاء العالمي
وأوضح جونز أنه بالإمكان رفع مستوى الذكاء في أي مجتمع من المجتمعات البشرية من خلال توفير نظام غذائي أفضل وبرنامج تعليمي أكثر تطورا، وبذلك نعمل على رعاية وتعزيز مستويات ادخار أفضل، وفرق عمل أكثر إنتاجية، وأنظمة بيروقراطية أكثر فعالية.
وأكد أنه بالإمكان رفع مستوى الطبقة الفقيرة بشكل ملموس من خلال تغيير طبيعة العمل، أو تطوير المؤسسات، أو فتح باب الهجرة بشكل أكثر حرية، وكذلك فإن من الممكن أن تكون هذه المرحلة التي نعيشها من عدم المساواة على مستوى العالم قصيرة بمعايير التاريخ الإنساني إذا قمنا برفع مستوى الذكاء العالمي.
الدخل المادي
وهناك شيء يبعث على الضيق في احتمال أن يكشف رقم واحد، مثل معدل الذكاء، أي شيء ذو دلالة حول شخصية الفرد أو قدراته، وربما لا تكشف ذات المعدلات كثيرا بالنسبة لشخص معين، ولكنها في البلد تقيس شيئا أكثر أهمية بالنسبة للجماعات البشرية، وترتبط بشكل وثيق، على سبيل المثال، مع الدخل المادي.
وأشار جونز إلى أن معدل الذكاء الوطني لا يلعب دورا أساسيا فقط في ازدهار أي بلد، ولكنه يرتبط أيضا بمستوى دخل الأفراد الذين يعيشون في هذا البلد.
اختبار المارشميلو
ويستشهد جونز باختبار معروف باسم «اختبار المارشميلو» (حلوى المارشميلو المعروفة المحببة عند الأطفال)، حيث يتم وضع الأطفال أمام خيار صعب ومحير، وهو -إما أن يحصل الطفل على قطعة واحدة من المارشميلو بشكل فوري.
- أو على قطعتين إذا انتظر نحو 15 دقيقة فقط.
وتظهر الدراسات أن الأطفال الذين يختارون الانتظار والحصول على قطعتين يحققون نتائج أفضل في الاختبارات القياسية الوطنية، ويتمتعون بقدرات اجتماعية أفضل في حياتهم فيما بعد.
معدلات الادخار
ويقول جونز إن خبراء الاقتصاد السلوكي يؤكدون وجود هذه العلاقة بين معدل الذكاء الوطني وازدهار المجتمعات البشرية، حيث إن الأشخاص الأكثر ذكاء يميلون إلى الصبر ويكونون أكثر اهتماما بالادخار.
وبالفعل فإن معدلات الادخار الوطني ترتبط بشكل منتظم مع معدلات الذكاء، حيث تتصدر سنغافورة القائمة بمعدلات ادخار تصل إلى 45% ومعدل الذكاء الوطني فيها 108.
وفي آخر القائمة هناك عدة دول يتجنب الكاتب ذكرها بالاسم ببراعة ولباقة.
إحدى النتائج الأخرى التي توصل إليها خبراء الاقتصاد السلوكي هي أن أصحاب الحظ الأوفر في الذكاء يكونون أكثر تعاونا وأكثر لطفا مع الآخرين، على الأقل عندما يمارسون ألعابا جماعية ذات بعد فكري.
فهم يميلون إلى الثقة ببعضهم بعضا أكثر ولذلك فإنهم يعملون بشكل جيد ضمن المجموعات.
معدلات أقل
وذكر البروفيسور جونز أن البلدان التي تقع في أسفل قائمة معدلات الذكاء الوطني في العالم «آخر 10% من الدول في القائمة»، لا يتجاوز معدل ثرائها وإنتاجها 12.5% من ثراء وإنتاج الدول التي في أعلى 10% من القائمة.
لكن هناك بعض العوامل الأخرى التي تلعب دورا مهما في مستوى ازدهار وتقدم وإنتاجية المجتمعات البشرية، ومنها النجاح الاقتصادي النسبي، كونه يعتمد بشكل أساسي على أنماط السلوك المؤسساتي، فالدول التي تمتلك مؤسسات جيدة وعريقة، مثل الأنظمة الديمقراطية في الدول الإسكندنافية، تتمتع بحكم جيد وازدهار ملموس.
أما الدول التي تفتقر لذلك من الدول الأفريقية ودول الشرق الأوسط، فإنها أقل إنتاجية وازدهارا بشكل عام.
ومن الواضح أن عقل الخلية يعمل بطريقة مختلفة في هاتين الحالتين المتعاكستين، وسيكون من المثير للاهتمام إجراء دراسات لمعرفة الأسباب التي تقف وراء ذلك، حتى يمكن تطوير السلوكيات الاجتماعية البشرية والمؤسسات التي تعتمد عليها.
لكن هذا لا ينفي أن جونز على حق بأن السلوكيات الاجتماعية المنتجة ترتبط بشكل عام مع معدلات الذكاء، حتى لو كانت العلاقة ليست مباشرة بشكل كبير.
«البروفيسور جاريت جونز خبير اقتصادي يهتم بشكل خاص في مجال الاقتصاد الكلي، وهو أستاذ مشارك في جامعة جورج مايسون.
تشمل الأبحاث التي يجريها مواضيع في السياسة النقدية ودورها في دوائر الاقتصاد قصيرة المدى، وكذلك في مجال معدلات الذكاء وعلاقتها مع الإنتاج والتطور الاقتصادي».

