بعد حوالي ثلاث سنوات من الحرب الأهلية في سوريا، وصل البلد إلى أعمق مرحلة من اليأس حتى الآن.. تزايد في عدد القتلى بسبب تصعيد الأعمال القتالية، موجات جديدة من اللاجئين، تهديدات بزيادة الإمدادات بالأسلحة لفصائل المعارضة المسلحة والقوات الحكومية، وعملية مفاوضات سياسية في جنيف توقفت في نهاية هذا الأسبوع دون تحديد موعد لاستئنافها من جديد. مبعوث الأمم المتحدة المخضرم الاخضر الإبراهيمي كان على حق عندما اعتذر من الشعب السوري بسبب الفشل، وهذه طريقة غير مباشرة لإلقاء اللوم على الطرفين وعلى داعميهما الدوليين، لأنهم خيبوا آمال الشعب السوري. ومع ذلك لا يمكن القول إن كل شيء أصبح كئيبا. في الوقت الذي ذهب فيه الفريق الحكومي السوري إلى جنيف وهو مصمم على الحديث عن وقف الإرهاب فقط –وهم يعنون بذلك المعارضة المسلحة- فيما كان فريق المعارضة لا يريد الحديث إلا عن صيغة لإزاحة الرئيس بشار الأسد، بدا وكأن الإبراهيمي قد توصل إلى اتفاق بأن هناك قضيتين أساسيتين: إحداهما التوصل إلى وقف محلي لإطلاق النار، ويقود تدريجيا إلى وقف القتال في سوريا بشكل كامل، والقضية الثانية هي تشكيل حكومة انتقالية. محادثات جنيف فشلت في الوصول إلى اتفاق حول أي من القضيتين يمكن البدء بها أولا، أو فيما إذا كان يتوجب تشكيل فريقين يناقش كل منهما قضية من القضيتين بالتوازي، لكن الأطراف المتقاتلة في سوريا كانت مجتمعة في غرفة واحدة في جنيف للمرة ألأولى، ويجب أن يكون الأمل أن كل طرف، خلال فترة التوقف من أجل التفكير والتأمل التي دعا إليها المبعوث الأممي الإبراهيمي، سيلتزم بالعودة إلى المفوضات لاحقا لمناقشة كلتا القضيتين بعضهما مع بعض
ممارسة كل من أمريكا وروسيا ضغوطا على حلفاء كل منهما قضية أساسية. بدلا من محاولة تسجيل نقاط إعلامية أو إلقاء اللوم على الطرف الآخر في عدم إحراز أي تقدم في محادثات جنيف، يجب على واشنطن وموسكو البناء على الأرضية المشتركة بين الطرفين. لا يريد أي من الأطراف الانهيار الكامل للمؤسسات في سوريا أو تقاليدها في العيش المشترك وتعدد الثقافات. ولا يريد أي طرف انتصار الأصوليين الإسلاميين المتحالفين مع الجهاديين المتطرفين. ولا يريد أي من الطرفين حدوث حمام دم طائفي في دمشق على نمط حمام الدم الذي حدث في بغداد منذ ثماني سنوات. يجب وضع صورة لتحالف سوري يجمع بين القوى العلمانية المعارضة التي بدأت الثورة ضد نظام الأسد في عام 2011، وبين الطرف الحكومي للوقوف معا في وجه الجهاديين الأجانب. ولا يمكن التوصل إلى هذا إلا بشرطين أساسيين. الأول تشكيل حكومة انتقالية، كما نص عليه بيان جنيف الأصلي في يونيو 2012. على الحكومة السورية ألا تخشى من ذلك الأمر، لأن البيان ينص بوضوح على أن الحكومة الانتقالية يجب أن تضم كلا الطرفين، بمن في ذلك ممثلون عن النظام الحالي، إلى جانب ممثلين عن المعارضة. الانتقال لا يعني الاستسلام من قبل النظام، ولا الانتصار للمتمردين. الشرط الثاني هو أن تتوقف القوى الخارجية عن إرسال إمدادات الأسلحة إلى المقاتلين الأجانب. وبدلا من محاولة إبعاد إيران عن مناقشة الحلول للأزمة في سوريا، على الولايات المتحدة وروسيا تشجيع كل من إيران والدول الإقليمية الداعمة للمتمردين في سوريا على تشكيل مجموعة اتصال مشتركة للتفكير بطريقة يتم من خلالها إيقاف الصراع المسلح وإنهاء الحرب الدائرة في سوريا. يجب أيضا على كل من الولايات المتحدة وروسيا، باعتبارهما الداعمين الأساسيين للأطراف المتصارعة، أن تنضما إلى عملية جنيف بقوة أكبر، بالإضافة إلى ممارسة ضغوط أكبر على الفريقين المتفاوضين، سيفتح هذا الباب لاستئناف قناة أمريكية مباشرة مع الحكومة السورية سعيا لإنجاح المفاوضات. البعض ينتقد النظام السوري بسبب عدم إرسال مسؤولين أمنيين وضباط عسكريين كبار إلى جنيف. يرى البعض أن هذا مؤشر على أن حكومة الأسد ليست جاهزة لقبول تشكيل حكومة ائتلافية تضم المعارضة. هذا يبدو صحيحا، ولكن ربما يتوجب فتح مزيد من القنوات الخلفية السرية للتواصل مع كبار المسؤولين السوريين الذين لا يمكن التوصل إلى تسوية بدونهم. على الرغم من تعثر مفاوضات جنيف، يمكن أن نلمح إطار اتفاق سياسي في نهاية المطاف. الأولوية حاليا هي في تجنب لعبة تبادل إلقاء اللوم، والإبقاء على عملية جنيف حية، وعدم إضافة وقود إلى النار العسكرية.

* الجارديان