بعيدا عن منطق الاتهامات الذي يستغل أوجاع المجتمع لمصالحه الخاصة، يجب أن نتوقف عند بعض المظاهر بمسؤولية دينية ووطنية تراعي الأمانة والنصيحة، وتشارك في الحلول والعلاج. ستظل مشاكلنا تُكرر نفسها ما دمنا ننظر للماضي، ونعتمد تقاذف التهمة أسلوبا في حلها. المستقبل ينتظر منا بعض الاهتمام حتى لا نصل إليه بمشكلاتنا، ولن نحل مشكلة واحدة دون الاعتراف بها بكل شجاعة، وتَحمُّل مسؤوليتها، والتفكير في حلها بدل استغلالها.وهنا مشكلة تحتاج إلى وقفة جادة وصادقة في فهمها وتحليلها والمبادرة في حلها وعلاجها. إن الفِرَقَ الدينية الضالة كثيرة، ولكن لماذا نرى جماعات الغلو المتأوِّلة في شأن التكفير والدماء المعصومة مِن أقدر الفرق الضالة على استقطاب شبابنا؟! كيف يتحول شاب مسلم نشأ بيننا إلى طاقة تدميرية، يَتلقَّى التوجيهات من أهل الغلو فيقتل من يقول لا إله إلا الله، ويُفجِّر نفسه وسط مسلمين يخالفونه الرأي؟! ويصبح وقودا للفتنة والفوضى ويتعبد لله بكل ذلك؟! ويفديه بماله ونفسه؟!تجد بعضهم شابا حديث الهداية، وآخرين أنفقوا صدر شبابهم في حفظ القرآن وربما الصحيحين وحضور دروس أهل العلم!إن تخطئة الجماعات الغالية الجريئة على الدماء والتكفير لا يكفي، ولا بد من البحث عن أسباب هذا الضرر والخطر، تَتبُّعا يبحث عن (المسارب العلمية) التي يصلون منها إلى هذه البوائق. لا بد أن نبحث عن الجرعات الغائبة في تحصين شبابنا من هذه الأفكار المنحرفة. التحصين السابق قبل أن يتورط الشاب فيصعب إنقاذه. شبابنا أعظم ثروة في بلادنا، ومن غير المعقول أن يتسلل اللصوص إلى بيتنا ويسرقون ما شاؤوا من أعز الأثاث وأثمنه ثم نزعم بعد كل سرقة أن البيت مُحكَم التحصين. لا بد أن هناك بابا مفتوحا يتسلل منه اللصوص. وفي مشكلتنا هذه لا بد أن هناك بعض المسارب المفتوحة في بيئتنا العلمية، وتأصيلنا وتقريراتنا، منها يأخذون أطهر شبابنا وأكثرهم صدقا وتضحية. تحليل هذه المشكلة، والبحث عن أسبابها ومساربها، واقتراح الحلول والتدريب عليها، يجب أن يكون مشروعا جادا، بعيدا عن الانتماءات السياسية والحزبية، وتُستقطَب له الأقلام الأكثر خبرة وعمقا وهدوءا. نحن هنا بحاجة ماسَّة إلى (المفكر الطبيب) الذي يتتبع المرض من أجل العلاج، ولسنا بحاجة (المثقف المحامي) المسكون بهاجس الاتهام أو الدفاع. إنه ليس أمرا عاديا أن يتحول التديُّن عند بعض الشباب من طاقة تدفع للحياة والاجتماع والبناء وحفظ الحقوق، إلى طاقة تدميرية تنتهك الحقوق باسم الله! وليس أمرا عاديا أن نجد بعض شبابنا ما يزال يضحي بالغالي والنفيس ويركب المخاطر حتى يلتحق بهذه الجماعات الضالة. شبابنا الذين ذهبوا إلى هناك يريدون الجنة ولو علموا بشكل واضح ومقنع أن صنيعهم هذا يُغضب الله ولا يرضيه فإنهم لن يُهلِكوا أنفسهم في غير مرضاة الله. ولاتزال الجماعات الغالية تأخذ أعز شبابنا حتى ندرك أننا جميعا مشاركون في المشكلة، وعلينا جميعا أن نتحمل المسؤولية، ونستكشف أسباب المشكلة في بيئتنا وخطابنا وإعلامنا وكتبنا ومفاهيمنا وطريقة تعاملنا، وربنا يقول لأصحاب رسول الله: “قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ” (سورة آل عمران: ١٦٥). ودائما هذه هي البداية الوحيدة للمشاريع الموفقة في الحل والاستدراك.
لماذا يذهب بعضُ شبابنا إلى داعش؟
عبدالله القرشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
