اختار سيدنا الفاروق، ومستشاروه من كبار صحابتك الكرام أن يحتفوا بهجرتك الخالدة؛ حيث كانت الفيصل بين الظلمات والنور إلى الأبد؛ فمحوا الجاهلية من ذاكرتهم كما محوها من عقولهم وقلوبهم، وجعلوا الهجرة بداية (الميلاد) الإسلامي! ولكن تقادم علينا العهد، وعادت الجاهلية فينا من جديد، وخَفَتَ وعينا بمعنى الهجرة؛ وصارت تمر بنا مرور الكرام (فكأنما كتب التراث خرافةٌ * كبرى؛ فلا عمرٌ ولا خطابُ)؛ كما يقول الشاعر المحب لله ورسوله/‏ نزار قباني!!
واختار (عمر بن عبدالعزيز) في فترة ولايته للمدينة المنورة، ومستشاروه من كبار فقهاء التابعين، أن يبنوا في كل مكانٍ شرفته قدماك الطاهرتان، مسجداً يصلي فيه من يزوره شكراً لله على المبعوث رحمة للعالمين.
وقد بقيت تلك الفكرة العملية للاحتفاء بصفوة الخلق إلى وقتٍ قريب! لكن المدينة كلها تتحسر اليوم على اندثارها، مع ابنها العاق الذي يقول:
وأين بعثةُ مولانا وهجرتُهُ
وما له غيرَ تمزيقِ الدُّجى أَرَبُ؟
إنَّا دعوناه والأقوامُ تطرُدُهُ
إنَّا فديناهُ لَـمَّا خانتِ العربُ!
يا بدرُ: هل أَمْلَتِ الصحراءُ ملحمةً
إلاَّ ومن نخوةِ (السَّعْدَينِ) ما كتبوا؟!
وخَلَفَ من بعد (العُمَرين) أجيالٌ امتلأت جماجمها بالخرافات والأباطيل، وبالغت في اختزال الرسالة الإلهية في (شخص) نبيها الذي أكد القرآن المجيد، في مواضع كثيرةٍ، على أنه ليس إلا (رسول) خلت من قبله الرسل! وكان منطقياً أن يقابل تلك الخرافاتِ فكرٌ (متشدد)، ينكر على المؤمن أن يخاطب نبيَّه بـ(سيِّدي)، أو أن يعتمد يوم مولده الشريف إجازة رسمية! وبين التيارين النقيضين المتناقضين ضاع الاحتفاء العملي بالرسالة وصاحبها، الذي نكرر اليوم اقتراحنا بعودته بإحياء سُنّةٍ واحدة فقط، من سننه العظمى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل عام!
ولتكن هذا العام، وبدءاً من اليوم: (العدل) الذي جسده سيدنا (أبو الزهراء) في كل قولٍ وعمل، ولم تمنعه العصمة أن يقول (كما في صحيح البخاري/‏ كتاب المظالم): «إنما أنا بشرٌ مثلكم.... الحديث»، لينسب ما (قد) يحدث من تضليل بشري من المتخاصمين إلى نفسه الزكية؛ تأدُّباً مع الله تعالى! فما بال قضاة اليوم ينسبون اجتهاداتهم الغريبة إلى شرعه الحنيف؟ ويرفضون التقنين وهو أزكى لهم؟ والله تعالى وضع (حدوده) وقد حرم الظلم على نفسه؟!!

[email protected]