لا يشك أحد أن التعليم في المملكة العربية السعودية يحظى باهتمام كبير على كل المستويات، والدليل أن هذا الاهتمام أصبح حديث الناس كل الناس وحديث المجتمع، وهم القيادة السياسية الأول، ودليل هذا الاهتمام - من القيادة خاصة - المحاولات الجادة على أعلى المستويات، ومنها المحاولات في التغيير في القيادات العليا في مؤسسات التعليم.
فقد بدأ الملك عبدالله رحمه الله المحاولة الجادة بضم مؤسستي التعليم العام في وزارة واحدة أملا أن يكون في الضم لجناحي التعليم البنين والبنات ما يساعد على تخفيف عقبات الروتين والبيروقراطية المتكلسة في شطريه، واختيار قيادات جديدة وتربوية مؤهلة من خارج ذلك الجهاز المتعثر في رؤيته وسياسته وفي مناهجه وفي التصور الذي سار عليه سنوات طويلة، وكانت الظروف التي تمر بها البلاد توجب الكثير من التطوير والتغيير في البنية الأساسية للتعليم في كل مراحله وفي مناهجه وتوجهاته، وقد أدرك المجتمع والقيادة ضرورة أن يكون لنا ولدينا تعليم يواكب حاجة البلاد ويلبي متطلبات المرحلة تلك التي توجهت إلينا فيها سهام النقد على جمود مناهجنا وبعدها عن أهداف العملية التعليمية والتربوية المنوطة برسالة التعليم.
وقد كان المال هو ما يحتج به الذين يتعللون في الأسباب حتى تسير قافلة التعليم كما يريد لها المجتمع والدولة، فجاء الرد على هذه العلل سخاء وكرم من الدولة وكان عربون ذلك تسعة مليارات هبة ودعما للوزارة، ثم تبع ذلك 80 مليارا بعد سنوات، هذا المبلغ الضخم لم يمنح لأي مرفق ولا وزارة مثلما منح للتعليم العام، محاولة لسد حجج الباحثين عن الأسباب والجامدين عن التطوير والغافلين عن قيمة المتغيرات وضخامة التحولات التي يمر بها العالم ونمر بها نحن أيضا.
ولم يكن السخاء بالمال هو المحاولة الوحيدة بل كان السخاء بالرجال الذين عهد إليهم بإدارة التعليم، فما يكاد يحس المسؤولون بضعف الوزير عن إتمام المهمة أو تأخره حتى يقال من منصبه ويؤتى بغيره أملا في أن يكون أقدر منه وأقوى على مواجهة تيار التمنع، ولم يحدث أن تعاقب على أي وزارة أكثر ممن تعاقب على وزارة التعليم، خمسة وزراء جربوا وجربوا، وخمسة وزراء تعاقبوا على هذه المؤسسة في غضون سنوات قليلة، كلهم حاول وجلهم فشل في المحاولة، كان اختيارهم مما يؤمل أن ينجح كل منهم بالمهمة، كان منهم التربوي العتيق ومنهم رجل الدين ومنهم رجل المقام المعنوي الكبير، وحتى خبرة القطاع الخاص لم تكن خارج المحاولة وكان لها نصيبها من التجريب أيضا، وكل ذلك التنوع في الأشخاص وفي الخبرة والتأهيل من أجل حلحلة تلك البنية المتكلسة التي استعصت على الحلول، لم يؤت ثماره ولم يحدث التغيير الذي يسعى إليه الناس وتسعى إليه الدولة.
إصلاح المجتمع:
ما المشكلة إذن، المشكلة في رأيي أن فئة كبيرة من المجتمع يجب إصلاحها قبل إصلاح التعليم لأنها المحضن الأول الذي أفشل جهود الدولة وجهود المسؤولين وركن إلى الصورة النمطية التي كانت غير فاعلة وغير قادرة على تصور المنهج التعليمي الحديث، وكانت اتجاهات المجتمع مع الفئة المؤثرة غير المستجيبة للتطوير، ولهذا يجب أن توجه إليها الجهود وتقنع برسالة التعليم ووظيفته، ولا شك أن المجتمع يحتاج إلى تحرير مسيرة إزالة المعوقات التي توضع في طريقه، وسياسة المواربة وأنصاف الحلول لن تقدم حلا لمشكلة التعليم ما لم يكن المجتمع نفسه مساهما في الحل متفهما الوظيفة الصحيحة للتعليم معرضا عن تلك الأصوات التي تجره إلى الوراء وتمنعه من التطوير.
اليوم يدعى للتعليم رجل سبقت رؤيته وآراؤه في التعليم تعيينه، وأظن أنها للمرة الأولى التي يتولى فيها حقيبة التعليم رجل له موقف إصلاحي واضح وصريح معلن من قبل، ودعوته وتعيينه يعدان قبولا ضمنيا بما كان ينادي به من أفكار وأطروحات، فهل يستطيع الوزير الجديد تطبيق سياسته التعليمية وأفكاره التي كان ينادي بها ويتحدث عنها ويراهن على سلامتها ونجاحها، أم سيكون كسابقيه عددا مضافا إلى قائمة طويلة يبحث فيها عن منقذ أخير للتعليم.
إصلاح المجتمع قبل إصلاح التعليم
مرزوق تنباك3 دقائق للقراءة

حجم الخط
