«الفرد وحده ليس إنسانا؛ فالإنسانية مشروطة بوجود الآخرين حوله منذ اللحظة الأولى، الآخرون إذن هم شرط إنسانيتنا». (إريك فروم) الوعي هو كل ما نحن بحاجة إليه لنعيش حياة أقرب إلى الاكتمال، وللتصالح مع الذات والآخرين والبيئة. والوعي هو حالة التفتح الإدراكي، التي تكشف للواحد منا أن الآخرين ليسوا الجحيم، كما زعم سارتر، بل هم الحياة نفسها كما يقول الواقع! دعونا نتخيل أن طفلا بشريا وُلد في مركبة فضائية مات كل ركابها، ولحقت بهم أمه بعد مولده مباشرة، وأن التجهيزات المتقدمة على تلك المركبة ستكفل إعاشة هذا الطفل وتلبية كل حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب...إلخ. سينمو هذا الطفل إذن، وستتطور حواسه، وسينضج جسده، ليصبح مراهقا ثم بالغا.. لكن دون بشر على الإطلاق من حوله، هل سيكون هذا الطفل إنسانا؟ فكروا قليلا.. من الذي سيعلمه اللغة والكلام؟ من الذي سينقل له أساسيات المعارف التي يشترك فيها البشر أجمعون؟ ومن الذي سيطلعه على موقعه من الكون؟ هل سيكون قادرا على التفكير؟ وبأي لغة سيفكر وهو بلا لغة؟ وكيف سيتمكن من إدراك أنه حي أصلا، ويختلف في طبيعته عن تلك الأجهزة التي تطعمه وتسقيه؟ وما نوع الحياة الداخلية التي سيحياها هذا الفرد، هل سيحلم، ويتأمل، ويغضب، ويحزن، ويفرح..؟ أغلب ظني أن هذا الكائن المسكين، سيعيش حياة أشبه بحياة أعشاب الأرض، يشبع حاجاته الأساسية فينمو، ثم يشيخ ويذوي بعد حين، طال أم قصر.. وحين يموت فإنه أيضا سيموت، كما تموت الأعشاب، موتا غير مؤلم ولا فاجع، وذلك لأنه لم يعش أصلا كإنسان، ومن لم يعش لا يعنيه الموت في شيء! خذوا مثالا آخر... فكل واحد منكم –قارئيّ الكرام- يستيقظ من نومه يوميا على عالم يمدنا فيه الآخرون بكل احتياجاتنا.. الفطور لم نزرع مكوناته ولم نصنعها ولم نعبئها نحن بأيدينا، فعل ذلك الآخرون! الطاقة الكهربائية والمياه العذبة والرعاية الصحية والسيارات والأجهزة المنزلية.. إلخ، كل ذلك يقدمه لنا آخرون لا نعرف عنهم – في الأغلب - شيئا، فضلا عن الخدمات المباشرة التي ننعم بها من أقربائنا وأصدقائنا وزملائنا، ودونها لا حياة لنا! نحن مدينون لكل هؤلاء دينا مباشرا، نحن مدينون للإنسانية كلها إن شئنا الدقة، فما الذي أصابنا إذن بالعمى الداخلي، وجعلنا بدلا من أن نحمل لرفاقنا البشر في رحلة الحياة، دين الإنسانية الثقيل، ونجزيهم عليه شفقة ورحمة وإخلاصا وعرفانا.. فإننا نمتلئ بتلك المشاعر الكريهة من كراهية وحقد وحسد واحتقار..؟ ولكن ما هو المصدر الذي يشوه وعي الناس بهذه الحدة وهذا الشمول؟ إنه الخوف.. فمنذ يتفتح وعي البشر ينغرس فيهم كخنجر مسموم خوف وجودي بلا حدود، فالعالم كبير جدا، والفرد ضئيل جدا، والمنافسة على الموارد المحدودة ضارية، وإن أنت انشغلت بالمشاعر (المائعة) كالشفقة والرحمة والتضامن والمودة والسلام واللاعنف.. فأنت تحكم على نفسك بأن تدهسك أقدام حشود البشر المتصارعين على مكان تحت الشمس! أليس هذا هو ما نزج به في أذهان الصغار؟ أليس هذا هو موقفنا العميق من الحياة ومن الآخرين؟ إن التحرر من الخوف شرط أساسي لتفتح الوعي الإنساني، لكي نُشفى كأفراد وجماعات من هذا المرض المزمن المقيم، ونحيا حياة لا تقوم على الصراع، بل على التضامن، وهو نوع الحياة الوحيد الذي يليق بالإنسان. ولا يختلطن الأمر عليك قارئي الكريم، فدعوتي هذه لا تعني لعب دور الضحية والتخلي عن الحقوق تحت شعار التضامن الإنساني واللاعنف! ومن يفعل ذلك بنفسه إنما يزيد من التعاسة في العالم ولا يقلل منها، وهذا عكس ما أقصده. كن نفسك، وعش حياتك، واحرص على مصالحك، لكن افعل ذلك كله دون ظلم أو كراهية أو حقد. اكره الخطأ لا المخطئ كما نصح غاندي.. ولا تحتقر إنسانا قط، فهو – مهما ابتعد عنك - أقرب إليك مما تظن. تحرر من الخوف، تشجع، وكن إنساناً.