كنّا نجلس في الممر، المقاعد المخصصة لانتظار الطلاب أمام أمين المحاسبة، المقاعد زرقاء لا نعرف هل تم اختيارها بعناية أم أنها جزء من مهمات المقاول تنتهي بقرار من مدير عام المشاريع، المدير الذي شكونا إليه سوء المباني منذ استلامها وانتهى عقد الصيانة الملزم به المقاول دون أن يتغيّر شيء، وبالتأكيد سيوقّع معه عقدا جديداً للصيانة، وسنجلس مرة أخرى على المقاعد بعد عام، ونحكي عن المشروع الذي ركبوا مكيفاته المركزية دون لوحات تحكّم، ونوافذ تحتاج إلى رجل بطول مترين لفتحها، وهذا لا يتوفر حسب جيناتنا، ومغاسل تسقط في قاع الدواليب بعد استخدامين، وشروخ في الخرسانات، وتصريف سيول تم تذكره بعد عام.. المهم كنّا نجلس. أبو مزيد يقلب هاتفه ويتصل للبحث عن واسطة في أحد أقسام الشرطة من أجل بلاغ سرقة، كنت قد خرجت قبلها بليلة أبحث عن القسم، مررت بمبناه القديم وقال لي العسكري الذي وجدته وراء الباب المغلق إنهم انتقلوا، لكن لا يعرف أين، توقفت وسألت شخصاً بالهاتف توقعت أنه يمكن أن يدلني، قال هناك تقريباً، ذهبت هناك، شارع اثنان عشرة وتوقفت عند محلّ لبيع أدوات السباكة، لم يعرف، محل بيع ورود، لم يعرف، شخص يمشي، هو كذلك لا يعرف، شخص قرب النوم... ، عدت مرة أخرى للمكان المتوقع. بعد ساعتين رجعت إلى البيت ولا أحد يعرف!مقاعد الطلاب التي لا يجلس عليها أحد غالباً، جلسنا نحن عليها. موظفان يقلبان ظروفهما وضربات الحظ التي يمكن أن تأخذنا إلى النجاة. أبو مزيد بطبعه رجل كريم وخَدوم، قلّب الأوراق التي بين يديه، كانت إحداها تخص إبلاغ الهروب الذي هو الآخر احتاج أكثر من مكالمة ليتم إنجازه. في اليوم الذي يلي اليوم الأول للبحث في جيوب الشارع عن مركز الشرطة، يمكن أن تقودك الصدف وضربات الحظ إياها، وتبدأ في تنظيف ذاكرتك من التشويش، ودماغك من العالق فيه، وآثار الليلة التي قبلها من البحث. أخذت نفس الطرقات لكنني قررت أن لا أعود قبل أن أصل، نفس الخطوات السابقة، لكن الصدفة قادتني إلى فلاح يجلس أمام ورد يومه وسألته: ـ أين يقع مركز شرطة الحيّ؟أشار لي وهو يقف أن المكان خلفي، في أحد الشوارع الفرعية التي ربما لا يدلها القطا (اشتهر طائر القطا بذاكرته الجغرافية حيث موارد الماء الشحيحة في منطقة نجد). عدت ودخلت. مكتب أمامي عليه لوحة (مكتب) يجلس فيه ما يبدو أنه ضابط خفر، أمامه يجلس رجلان، سلّمت ولم يردّ أحد، وقفت ولم يردّ أحد تقدمت ولم.. حين قام أحد الرجلين اقتربت وسلّمت ثانية، رفع الضابط رأسه وسألني:نعم؟ شرحت له الأمر، سائق هارب وسرقة مفاتيح السيارات والأبواب و...الله أعلم! قال لي: اذهب وقدم بلاغ هروب، كان يعني جهة أخرى لا علاقة لمركز الشرطة بها، وسألته (والسرقة و...الله أعلم)؟رفع رأسه ثانية، وذهبت!أمام المقاعد الزرقاء كان الطلاب يمرّون، وسبيكر أبو مزيد لا يتوقف
تركته وعاد إلي يسألني عن أمر آخر نسيت ما هو، لكنه لم يجد أحداً يمكننا من النجاة. أخذت ورقتي وعدت للبيت، وضعت مفتاح باب البيت الخارجي في القفل من الداخل، تحسباً لعودة الرجل الضال، أدخلت إحدى السيارات التي «عليها القيمة»، و»فنجلت» أمام التلفزيون الذي لم أعتد السهر أمامه. متحفزاً ومليئاً بالتوقعات والتخمينات والحذر. كان عليّ أن أصحو مبكراً لأقوم بواجبات الأب المؤجلة، وإلى اليوم وأنا أقوم بها. الرجل الذي نظر إلي وذهبت، لماذا لم يبتسم، ويشرح لي الأمر إن كنت أخرجت خطأ من جيبي لسطح مكتبه؟ المكان الذي ذهبت أبحث عنه ما هي برامجه وواجباته ومسؤولية مسؤوليه وحدودها؟ ما هو دور موظفيه في مقابلة «مواطن» يقع بيته بجانب محل تصوير رقمي، وأمام مكتبه مقاعد زرقاء؟ هل توجد حواجز اسمنتيه بين المكان الذي نظر إليّ فيه العسكريّ وبين ضميري؟ هذه الهوّة التي تفصلنا عن بعض إلى أي هاوية ستقودنا؟ هل العمل الذي نقوم بها معاً منسجمٌ مع هويّتنا؟ أم أن أحدنا قصّر تجاه الآخر؟ تجاهه الوطني والأمني والمدني والحضاري والإنساني؟ لو عدت وسألته هذه الأسئلة هل سيجيبني؟
* العنوان مستوحى من نص مسرحي لغابرييل غراسيا ماركيز

