المطلع على تاريخ مهنة الطوافة ونظمها وما مرت به من مراحل وتطورات يعلم كم هي مهنة متطورة ومتجددة، وأن كل تطوير ينطلق من حرص على تحقيق مصالح ضيوف الرحمن ورعايتهم منذ أن تطأ أقدامهم أرض الحرمين وحتى مغادرتهم قافلين إلى بلدانهم..
والآن تعكف وزارة الحج على وضع تنظيمات حديثة لمؤسسات أرباب الطوائف مقسمة لعدة مشاريع؛ لعل أبرزها مشروع الرسملة الذي هو الآن حديث الساعة وحديث مجالس أرباب الطوائف هذه الأيام، بالإضافة لمشروع الهيكلة ومشروع الحوكمة وغيرها من مشاريع تهدف إلى تطوير أعمال المؤسسات وتنمية مواردها المالية بما يمكنها من الارتقاء بما تقدمه من خدمات لضيوف الرحمن..
ويتداول هذه الأيام جمع من المطوفين والمطوفات مشروع الرسملة ويجتمعون لمناقشة تفاصيل المشروع، بدافع الرغبة في المساهمة في تطوير مهنتهم وكذلك بدافع القلق الذي تسرب إلى نفوسهم على مستقبل المهنة وأهلها وانعكاساتها على مستويات الخدمة المقدمة لضيوف الرحمن بسبب الغموض الذي يلف بعض تفاصيل المشروع ومآلاته.. وتفاعلت الوزارة مع تحركاتهم وأفسحت المجال للاستماع لآراء المطوفين وعموم أرباب الطوائف..
وبصفتي من أبناء مهنة الطوافة وددت أن أضع وجهة نظر حول مرتكزات التطوير الذي يفضي في النهاية إلى تحسين خدمة الحاج، ولعلي لمحدودية المساحة المتاحة للمقال أذكر أهمها:
أولا: العناية بالمطوف، فلقد سبق لي أن شاركت في صياغة برامج انتخابية وخطط استراتيجية وتشغيلية لمؤسسة مطوفي حجاج الدول العربية وكان نصب عيني خدمة الحاج، وأنه لكي نحقق خدمة راقية للحاج فلا بد لنا من توجيه عناية خاصة لمن يقدم له الخدمة وكان من ضمن الشعارات التي اتخذت (نهتم بالمطوف لنرتقي بخدمة الحاج)..
والعناية بالمطوف تأخذ أكثر من جانب، منها الجانب المتعلق بتطوير خبراته ومهاراته ومعارفه بشكل مستمر، ومنها المتعلق بالعوائد والمزايا والتعويضات والحوافز المادية والمعنوية..
ثانيا: العناية بتفعيل الجمعيات العمومية لمؤسسات أرباب الطوائف وحفز أعضائها على التفاعل وممارسة أدوارهم في توجيه أعمال المؤسسات والرقابة على أدائها.. ويمكن تحقيق ذلك من خلال جملة من الإجراءات ولعل أهمها الحفاظ على آليات مواجهة تفتيت حصص العوائد الموسمية بفعل التوارث والعمل على تنمية عوائد أرباب الطوائف، وكذلك اعتماد مبدأ سرية التصويت على قرارات الجمعيات العمومية لمنع التأثير على قرارات أعضاء الجمعية خشية غضب وتعسف بعض أعضاء مجالس الإدارة لو تم التصويت ضد مشاريعهم وتوصياتهم للجمعية العمومية..
ثالثا: العناية بالهياكل الداعمة لمؤسسات أرباب الطوائف وتطويرها بما يجعلها داعمة فعليا لأداء المؤسسات، ومنها الهيئة التنسيقية لمؤسسات أرباب الطوائف، والتي هي بحاجة لتطوير أعمالها وتسريع إنجاز مشاريعها وذلك من خلال إضافة مجلس فرعي لمجلس الهيئة يضم أعضاء منتخبين من قبل مجالس إدارة المؤسسات بمسمى ممثل المؤسسة في الهيئة وتكون مهمة هذا المجلس التفرغ لإنجاز مشاريع الهيئة ورفعها لمجلس الهيئة لاعتمادها. وكذلك تطوير الهيئتين العليا والابتدائية لتكون مرجعا لتطبيق الأنظمة الحاكمة لأعمال مؤسسات أرباب الطوائف ومراقبا لقرارات المؤسسات للتأكد من التزامها بالنظم الأساسية..
رابعا: مواجهة تحدي موسمية أعمال مؤسسات أرباب الطوائف، والذي ترسخ أكثر بفعل تطور وسائل النقل وتقلص فترات وجود الحجاج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والمدينة المنورة من عدة أشهر إلى عدة أيام في بعض الحالات، وهو يجبر المؤسسات على الاعتماد بشكل كبير على التعيين الموسمي، ويحرمها من الاستثمار في مواردها البشرية.. ولعل من أهم وسائل مواجهة تحدي الموسمية السماح لمؤسسات أرباب الطوائف بالعمل في مجال العمرة ، وهو من المجالات التي تجيدها المؤسسات بحكم علاقاتها بالحجاج وممثليهم من مكاتب شؤون حجاج وشركات ووكالات ومنظمين في بلدان الحجاج والمعتمرين..