(ضوء)
كشف معرض الكتاب المشرعة أبوابه حتى الآن في مدينة البحر (جدة) عن سوآت ثقافية فكرية تعددت وتنامت، لدرجة أصبح التنصل منها مهمة صعبة لدى أصحابها، مع مرور زمن المعارض والأحداث والسنوات، بالرغم من التنظيم الأخير (الرائع) لمعرض جدة وأناقة التصميم والصرخة الجماعية التي انطلقت في وجه العنف والتطرف (رااااضين)!
(1) لا تزال تلك النماذج (المتصلدة) المعطلة تمارس عنفها وتطرفها مع كل فعالية ثقافية في أرجاء البلاد، وما زلت متيقنا من استمرار التعامل العاطفي الأبوي من المسؤولين تجاه هؤلاء المخربين، لعل وعسى أن يتغير في (عالمنا) شيء يخفي ذلك (الجهل)، رغم أني أزعم أن هؤلاء المعترضين خطر يتربص بنا من كل الجهات، فالبذور التي تحملها خلاياهم هي ذاتها البذور لدى الجماعات المتطرفة التي نعاني من ويلاتها وكوارثها حتى اللحظة!
فمن تجرأ على حشد هائل من المجتمع في مناسبة وطنية (رسمية) وفي لحظة ثقافية (مشتركة) لا مجال فيها لذنب أو زلل أو منكر، سيتجرأ حتما على ما هو أفدح وأكثر، وسيلبي أي نداء أي مناد للعنف والإقصاء والاعتراض في أية مواجهة محتملة.
بالتأكيد فإن من يريد صد تيار الثقافة لا يضيره أن يستخدم جسده كله كحاجز يصد به تيار الحياة (بأسرها)..!
(2) (برضه) لا يزال مؤلفونا الجماهيريون الأشاوس وهم يتعاطون مع (الرواية)-باعتبارها الجنس الأكثر (ضمانا) للتفاعل وإحداث الأثر العاطفي المنشود- في لجة (استسهال) العمل و(ابتذال) النشر!
فمنذ نصف عقد من الزمن الثقافي العام لم ينتج لدينا عمل ذو قيمة معرفية وفنية وروائية حقيقية.
إذا لم تلتقط (الرواية) مشهدا خفيا من مكون الواقع، أو تجعلنا (نعيش) لحظات الحياة المتكررة كأننا نعيشها لأول مرة، فإنها لا تصبح عنذئذ رواية!
وإذا لم تقدم (الرواية) رؤية فلسفية جديدة عن الإنسان والكون والحياة، وإذا لم تستخدم لغة روائية خاصة بحواريتها وتعديتها وبوليفونيتها على كافة المستويات (المفردات وصيغ السرد والشخصيات والرؤى والأزمنة وفضاءاتها و..و)، فإنها تصبح مجرد (حكايات) مدرسية عابرة، وبوح (تلقائي) لمشاعر وانفعالات إنسانية مألوفة، تهرب سريعا من ذاكرة التلقي بلا رجعة!
ماذا يعني أن يكتب أحد هؤلاء رواية تبحث عن غربة المثقف في مجتمع ساكن، بلغة حكائية بسيطة لا أثر فيها لحوار أو صراع أو عراك أو مغايرة عن حكايات مشابهة؟
ماذا يعني أن يكتب أحد مؤلفينا الجماهيريين الكبار رواية تختزل -بلحظة مستعجلة- زمن جيلين كاملين في بضع صفحات.. ثم يصف تأثر شاب بخطاب العاطفة والتطرف الديني ليتحول من شاب متهور إلى شاب متطرف؟! بعد أن كانت ثمة فرصة روائية عظيمة لذلك المؤلف في اقتناص لحظة بداية الرواية عبر (طريق الحجاز) في إنتاج رواية تحكي العذابات الوجودية لبعض الأطياف الاجتماعية من ذوي البشرة السوداء في مجتمعنا، وصراعهم مع (الوجود/البياض) في الواقع المحلي!
كان من الممكن أن يتخذ مؤلفنا السبيل الصعب الذي اتخذه إليكس هايلي في (جذوره) الروائية الأصيلة، ولكنه اختار (السهل) الإنشائي العاطفي (المتوقع)!
وعندما أذكر أعمالا (مهمة) لهؤلاء المؤلفين أجد السؤال ذاته يلح علي في كل مرة: ما الذي(أجبرهم) لكتابة هذا العمل ثم (نشره)؟ وهل ثمة عقود مادية قوية بينهم وبين دور النشر (الهائجة) لهذا الحد الذي يفضي إلى ظهور أعمال أدبية ثقافية بتلك الفجاجة و(البساطة)!
(3) وفي مشهد آخر، فلا تزال أطياف كبيرة من مجتمعنا لا تعرف معنى (معرض للكتاب) أصلا!
والأدهى والأمر أن يكون من هؤلاء أطياف تمثل قادة ومعلمي ومشرفي المؤسسات التعليمية في المكون الفكري العام؟!
(ياااساتر)! كيف يمكن أن يتفق الأمران (قائد تعليمي تربوي)، لا يعرف معنى معرض الكتاب زهدا أو تجاهلا! وكذلك الحال بالنسبة للمعلمين والمشرفين الآخرين!
كيف يمكن أن نفسر مشهد فارس لا يفرح بسوق لأسلحته الأكثر فتكا وحسما؟ كيف يمكن أن نفسر عريسا لا يحتفل بأيام (عرسه)... يا (للهول)!
(4) ربما سيأتي الحديث لاحقا عن المثقفين (الجدد) و(الموقعين) الاحتفاليين في نثار آخر، تنتهي معه فصول ذلك المشهد (الموتور) لمعرض الكتاب في بلادنا!
فضائح في معرض الكتاب يجب (الاحتساب) لأجلها!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
