طالما كرر الشيخ حمد الجاسر في الكتب التي ألفها، والفصول التي أنشأها، ألمه وحسرته على إعراض العلماء العرب قديما عن تراث الجزيرة العربية وأخبارها، فمنذ تحولت الخلافة الإسلامية عن المدينة المنورة إلى الكوفة فدمشق فبغداد، أخذ حضور الجزيرة العربية يضمر شيئا فشيئا حتى ذوى، وأطبقت سحب من الجهل على تاريخها ومجتمعها وثقافتها، إلا ما كان من أمر المدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، لمكانة الحج والعمرة والزيارة، ولأنهما مركز التقاء علماء الحجاج وطلبة العلم في أثناء الموسم.
والحق أننا كلما تقدمنا في الزمان لا نجد إلا آثارا يسيرة عن ثقافة الجزيرة العربية وتاريخها، وبعد أن أتمَّ اللغويون تدوين لغات قبائل العرب، أُسْدِل ستار كثيف على مجتمع إليه تؤول ثقافة العرب في أشعارهم وأمثالهم وأخبارهم، حتى بات الوقوف على خبر شاعر من شعرائها أشبه ما يكون بالصيد الثمين، ويظهر الألم والفرح معا، حينما نقرأ في الفصل الذي افتتح به الباخرزي، في القرن الخامس الهجري، كتابه «دمية القصر وعُصْرة أهل العصر» بفصل دعاه «في محاسن شعراء البدو والحجاز»، دوَّن فيه نتفا من شعر البادية العربية في ذلك القرن، قبل أن تطوى صفحة الجزيرة العربية، ويطَّرح شعراء البادية الفصحى، ويتحولوا عنها إلى العامية.
استأنف الشيخ حمد الجاسر القول في جغرافية الجزيرة العربية وثقافتها ومجتمعها، وجعل يبث الحميَّة في زملائه من العلماء والباحثين، ويزيِّن لهم العناية بهذا التاريخ المهمل، وكابد، طوال حياته، من أجل هذه الرسالة: «استئناف القول في الجزيرة العربية»، وكان عمله الثقافي والعلمي مرادفا لظهور الجزيرة العربية السياسي في العصر الحديث، فانصرف هذا الشيخ الجليل إلى مسالكها، وغشي مدنها وبلداتها، وجال في صحاريها ووديانها، وكأنه يبحث عن عصر «تدوين» حديث، حتى إذا ما تَمَّ له ذلك، جعل يفتش في خزائن الكتب في الشرق والغرب، عن أي أثر فيه شيء من تاريخ الجزيرة العربية وثقافتها، وانقطع إلى تلك اللَّقَى والعاديَّات يقرؤها، ويحققها، ويخرجها، بعد أن نسيها الزمان وأعرض عنها.
نقرأ ذلك في غير كتاب من كتبه، وفي غير تحقيق من تحقيقاته، ونراها ظاهرة كل الظهور في مجلته العريقة «العرب»، وبخاصة في الفصول العلمية التي جلا فيها تاريخ هذه الجزيرة العربية، قديما وحديثا.
ويخيَّل إليَّ أن الشيخ حمد الجاسر ما فرح بأثر نشره مثل فرحه بجمهرة «التعليقات والنوادر» لأبي علي الهَجَري، وأحسب أن هذا الكتاب الذي يرقى زمن إنشائه إلى أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل الرابع، قرأ فيه هذا العلَّامة الجليل الفصل الأخير لمكابدة عالم مِنْ أبناء الجزيرة العربية، هو أبو علي الهَجَري، بحث فيه لغتها وثقافتها وشعرها وتاريخها، وكأنه يدفع عن هذه الأرض عوادي الزمن، وعقوق الثقافة العربية لها، حين انتفع العلماء والأدباء بثقافتها، ثمّ أعرضوا عنها، وفي هذا الكتاب العظيم الذي جلا لنا نشره وتحقيقه علم الشيخ حمد الجاسر وشدة تقصيه، تطالعنا أسماء علماء ورواة وإخباريين نعرفهم من أسمائهم، ولعلهم كانوا آخر موجة علمية وثقافية لعلماء البادية العربية، قبل أن تغشاها سحب الجهل وتصيبها عوادي الإهمال، فغلب على شيوخ أبي علي الهَجَري أسماء من باديتنا، نعرفهم من ألقابهم، منهم الرنوي، والخَلَصي (نسبة إلى خليص)، والتُّرَبي (نسبة إلى تربة)، والسلمي، والشهراني، والسروي، والجهني، والبلوي، والثمالي، والحربي، والخثعمي، والعدواني، والمرّي، والفهمي، والمزني، والهذلي.
وأحسب أن كل من يظهر على هذه الأسماء وغيرها، سيفرح مثلما فرح الشيخ حمد الجاسر، ويعرف الرسالة الجليلة التي صرف همته إليها، حين استأنف، رحمه الله، القول في الجزيرة العربية.
حمد الجاسر.. استئناف القول في الجزيرة العربية
حسين بافقيه3 دقائق للقراءة

حجم الخط
