لقد وصل الوعي عند بعض شرائح المجتمع إلى مرحلة مؤسفة من السطحية والسذاجة إلى درجة أن مجرد وزير في حكومة يصبح أيقونة استقطابية ذات بعد أيديولوجي يختزل مفاهيم الهوية والدين من خلاله. منذ البداية لم يكن لهم صوت في إيصاله لكرسي الوزارة أو إعفائه منها، فعلام كل ذلك التحسر؟
إنه التحسّر على (الرمزية) التي تمثّلت بعض أدواتها في صور رفع المصحف على أسنّة (الكاميرات)، فالعقلية المتشددة الحزبية - في حقيقتها - لا يخفى عليها الكثير من صور التغير العنيف الذي حصل للمجتمع، إلا أنها تحرص على بقاء جذوة (الظاهرة الصوتية) الإعلانية متأججة؛ لأن ذلك الارتفاع الصوتي يحقق الإشباع الوجداني الرمزي في حضور القناعات طافية على السطح؛ للتلويح بها كورقة ضغط، بصرف النظر عن حقيقتها تحت السطح في كواليس المجتمع، أو فيما وراء تلك الصورة وذلك الصخب.
أن يتحزب الناس حول شخص من أجل مجموعة صور، وفي ذات الوقت الهجوم على آخر من أجل بضع كلمات أو آراء سابقة، دون أي اعتبار للرصيد التاريخي والمعرفي والعملي للاثنين، فإن ذلك دلالة على هبوط حاد في معايير الإدراك للأمور وتقييمها وتحليلها، وهذه المنهجية ترسخت بسبب رحلة التزييف الطويلة التي لازمت منابر البثّ والتوجيه وترْكها تلتهم العقول والأرواح بعشوائية تراكمية عملت على تآكل إنسانية الفرد، وتشويه إحساسه بالحياة، ومسخ إدراكه لمنطقيات الأشياء من حوله.
الحملة الشرسة على الوزير الجديد أحمد العيسى لم تذهلني بقدر ما أذهلني ما وراءها من توتّر حادّ فهمتُ أنه قد لمس أهم المكتسبات التي تحققت لمنظومة التشدد المتحزب وهي التعليم. تذكّرت حينها كيف كان ردّ الملك حسين الراحل على حزب (الإخوان المسلمون) حين فازوا بعدد من الحقائب الوزارية في الحكومة الأردنية وطلبوا منه وزارة التعليم، فكان الرد حاسما: إلا وزارة التعليم! وها هي الأردن مثال يحتذى به في جودة النظام التعليمي على مستوى العالم العربي.
لا أريد أن أشيطن أحدا، أو أتهمه بالفشل المسبق، لكن حين نتأمل في مخرجاتنا التعليمية فإن العين التي تنظر إلى المستقبل ستدمع جرّاء كل ذلك الفشل في أهمّ مكنونات الأمة التي تشكل العمود الفقري لوجودها ومستقبلها، وبما أن الوقت ليس فيه متسع للبقاء في ذيل الأمم، فإنه لا يتسع كذلك للمجاملة في أهم الحواضن الولاّدة للأجيال التي ستحدد لنا مستقبلنا وترسم لنا حدوده ومعالمه لتقرر ما إذا كنّا نصلح للبقاء أم للأفول.
الزمن المتغير الذي لا يشعر به الكثيرون لم يعد يحتمل إبقاء التعليم مستنقعا لتفريخ الجهل ومسخ الإنسانية والسلوك والذوق والمعرفة والعقل وأدوات التفكير. التعليم أكثر من غيره حاجة لإحداث ثورة شاملة في بنيته وأدواته ومخرجاته، والأهم: في نمطيته التي يجب أن تُحاكم اليوم على مخرجاتها الماثلة، ليس في الداخل فحسب، بل حتى في الخارج، في ذلك السلوك المشاهد لجيل وعى بعض القيم العقائدية الدقيقة جدا لكنه لم يعِ الكثير من القيم السلوكية والحضارية والذوقية التي يجب أن تكون عنوانا لأي منتم إلى بلد كبير بحجم المملكة وشعبها العريق، إلا من رحم ربي.
وبالعودة إلى مقدمة المقال، فإن جزءا من ذلك التزييف المشار إليه يقبع في انتظار الوزير الجديد؛ كي يتخذ بشأنه العديد من الإجراءات الإصلاحية الكبرى والشاقة التي تعمل على ترسيخ قيم الحوار، واحترام الاختلاف، وتعزيز روح الشراكة والانتماء الأشمل لكل المكونات المجهولة لهذه الأرض، وليس فقط للأفكار السائدة وحدها.
حجم التزييف.. إلى أين؟
وحيد الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
